بينَ اليأسِ والإحباط مساحةٌ مضيئةٌ للصمت ..!

رقم العدد: 3646 تاريخ اخر تعديل: 5/15/2016 9:29:46 PM

 فخري كريم

الصدق والادّعاء برزخان لا يلتقيان. والقول إنّ الإنسان كائن يتعالى على كلّ ما هو إنسانيٌّ فيه افتراء محض على الكينونة الإنسانية. والبطولة لا تعني تجاوز مشاعر الخوف في لحظات مواجهة الموت، بل التفاني في لحظات التجاذب بينهما، ولا يمكن للبطل أن يبخس معنى

الصدق والادّعاء برزخان لا يلتقيان. والقول إنّ الإنسان كائن يتعالى على كلّ ما هو إنسانيٌّ فيه افتراء محض على الكينونة الإنسانية. والبطولة لا تعني تجاوز مشاعر الخوف في لحظات مواجهة الموت، بل التفاني في لحظات التجاذب بينهما، ولا يمكن للبطل أن يبخس معنى الحياة وقيمتها ، وإلّا صار عدمياً  فاقد الذاكرة بكينونته كإنسانٍ، كلّ ما هو إنسانيٌ ليس غريباً عنه"!

في كلّ مرّة كنت أواجه فيها خطراً داهماً  "عبثياً" كنت أشعر بومضةٍ، هي أقرب الى ما بين "غمضةِ عينٍ وانتباهتها "، فأتعالى على خوفي وأتوحّد في كينونتي كإنسانٍ يعرف الفرق بين الخوف والجُبن، ويميّز بين حياةٍ هي أقرب الى الموت وغيابٍ يمتد ويجد نفسه في المعنى..
خلال عقودٍ من التجاذب والصراع بين مشاعر الضعف الإنساني والعسف السياسي واستباحاته، كنت كغيري من أبناء جيل التضحيات والخيبة، أمضي وسط الخرائب واستهدافات روح الإنسان ومقاومته، متطلعاً الى الشفق وهو آتٍ وإن مضيت. كان الصراع دامياً، لكنّ الأمل كان أقوى وروح الإنسان تتعالى على معاناة جسده الدامي. ولم يكن التعالي على الخرائب وجراحات الجسد ادّعاءً بالبطولة، أو تباهياً بالشجاعة، فطاقة الأمل والشفق وهو يتلألأ ويلتفّ حولك في لحظات العذاب، هما تشكيل تلك المساحة بين الانكفاء ورفض حياة هي الموت بعينه ..
وعلى هذا قياس ما بات ينتابني اليوم  
الحياة صارت موتاً بلا أمل، فليس لكل هؤلاء الذين يأتيهم الموت مواكباً، فرصة للتميز في المعنى. إنهم يُنحَرونَ جُملةً وفُرادى خارج سياقات الموت المحفوظ في سجلات ملك الموت الموصوف لهم منذ الولادة، قبل أن تتاح لهم فرصة الحياة كبشر واكتشاف سرّ الوجود، لم يتسنّ لأحدٍ منهم التمتع بمفردات النعمة البشرية، بل وطعم الخبز غير المغشوش وملذّاتٍ صارت فضلات لغيره ممّن هم أشباه البشر .
فكيف لواحدٍ مثلي أن لا يقرر الصمت قنوطاً واللا جدوى من الكلام، وقد عاش حياةً كاملة ثُقلى بالأمل في أن يتفتح على حياةٍ ليس فيها زرائب من الصفيح لسكنى البشر.
عجائز يفترشون الأرض وسط الفضلات، يقتاتون على روائحها. أطفال يتدافعون في الطرقات وفي الأسواق الشعبية يلتقطون رزق يوم أسرهم مما لا يكفي لتنظيف أحذية أبناء حكّامهم . شيوخ جفّت الدموع في مآقيهم من شدّة اليآس وهم يبحثون عن مصدر يكفي لخبز أسرهم . وأفواج من المرضى الجياع ، لا سبيل لهم لرغيفٍ أو لعلاجٍ يقيهم من الموت .
كيف لي أن أواصل الكتابة  وأستمرئ الكلام ، وكلّ ما هو حولي ينطق بلسان الجهالة والغدر والفساد والتجاوز، ويُعدُّ كلّ يومٍ جيشاً يتناسلون من جيفته وينثرون بذور الكراهية والأحقاد، ويجعلون الموت طقساً عابراً لا يترك أيّ إحساسٍ بالحزن أو المعاناة، بل قد يرون فيه قرباناً لبيوت أولادهم المرفَّهين في عواصم الدنيا، المكفولة عن كل ما يداهم فقراء ما كان وطناً، فصار مرتعاً لعبثٍ لا يتوقف لغرائزهم المسكونة بالسخرية لمن تشبّث بالأمل واستقوى بالقيم الإنسانية في مواجهة الانحطاط والرثاثة والفساد والتهتُّك ..
أيّهما أكثر فعلاً، الكتابة وقد فقدت كلّ تأثير لها أم الصمت ،وليس السكوت، في زمن ارتقى الفساد فيه الى مستوى الفضيلة بعد أن تقنّع بالدِّين وتلفّع بعباءة المذهب، واستوى الكلّ فيه حتى تكاد تلامس ظلهم حولك أنّا ولّيت وجهك، وتنام مُسَهّداً فلا تفارقك كوابيسهم وتلاحقك أشباحهم وأنت بين اليقظة والمنام ..
كتبتُ عن كلّ ما توهّمت أنّ  فيه نفعاً ، وما تغيّر شيءٌ  أو لاح في الأفق ما يُنبئ بأنَّ تغيّراً قد يحصل،  فالإصلاح بكلّ حُزمه وشعارات المطالبة به تكشّف عن كونه مجرّد ملهاة ، يُراد منه ذرّ الرماد في العيون  واستغفال الملوّعين  واستنامتهم علّ في ذلك مورداً للشبع، واقتداراً على الصبر .
أيُّ كلامٍ أبلغ من القتل اليوميّ في جموع فقراء الله، بعيداً عن مراتع أهل الحلّ والربط؟ وأيّ كتابة أبلغ وأشدّ وقعاً من وقائع الظهور المتزلّف والمنافق للرموز المتباهية بتقواها وانحيازها للفقراء واداعاءاتها المطالبة بالإصلاح والتغيير، وهي تغضّ النظر عن أُسّ الفساد، وتجمع النقيضين في قفاطينها: رفض المحاصصة الطائفية ونشر أتباعها الفاسدين في القوات المسلحة وأجهزة الأمن وتكريس ولاءاتها، ليس للطائفة بل لأحزاب الطائفة وقادتها وأولياء الأمر فيها؟
رفضٌ للمحاصصة، وفي كلّ زاوية ميليشيا تحمل علم ولي أمرها المطاع ، ويتسلّل المواطن من بين أرجلها شِبهَ مغشيٍّ عليه قلقاً على حياته من نسيان هوية طائفته أو مرجع محلّته .
رفضٌ للمحاصصة ، وليس من أثر لأيّ إصلاحٍ على أيّ صعيد، بل إمعانٌ في الفساد ، ومَن يريد ممارسة فضيلة البحث عليه أن يبحث في مكاتب الرئاسات الثلاث ومكاتب الوزراء للبحث عمّن يديرها من الأبناء والبنات وذوي القربى ومَن لفَّ لفّهم ..
رفضٌ للمحاصصة، والقضاء يعجُّ بأتباع الأحزاب، يستقوي الواحد منهم وهو يتعدّى ساخراً ، بتياره والميليشيا التي تحميه ، ويكذب مَن يُصدّق أنّ هناك فرقاً بين تيار وحزب وعشيرة .
رفض المحاصصة كيف له أن يكون في بلد منقسم الى طوائف وعشائر وأفخاذ وعمائم بيضاء وسوداء وخضراء، وليس للبرلمان وسط "عياط" مقتحميه أن يُمرّر مجلس القضاء الأعلى دون أن يكون بينهم فقهاء سنّة وشيعة لهم حقّ النقض تتوزّعهم الزعامات الطائفية؟.. وهل يبقى معنى للكلام بعد هذا حول المحاصصة والطائفية والإصلاح والدولة المدنية والحريات وكل الطنافس البلاغية التي تتطاير في فضاءات السياسة والإعلام وكواليس الزعامات؟
أليس الصمت وسط  هذه الخرائب كلها فضيلة بوصفه احتجاجاً ورفضاً وصبراً على المكاره  وضياع الأمل المرتجى ..
أعرفُ أنَّ هذا سيكون أقربَ إلى صيحةٍ في واد  ..
لكنّني أشعر بأنني أُريد أنْ ألوذَ بالصمت لعلَّ فيه شفاعةً وإيقاعاً خارج سياقات السرب
إنها بلاغة الصمت وليس إذعان السكوت!