الإسلامُ السياسيُّ وحدهُ كافٍ للإساءةِ للإسلام، فَلِمَ المزيد؟

رقم العدد: 3677 تاريخ اخر تعديل: 6/20/2016 8:41:39 PM

 فخري كريم

تزداد قناعة أوساط متزايدة بين علماء وطلبة الحوزة والمراجع الدينية العليا في النجف، بالبديل المدني للدولة المشوّهة التي تقودها نُخَبٌ تَحسب نفسها ممثِّلةً للإسلام السياسي الشيعي والسنّي. وتعترف هذه الأوساط، وفي صدارتها السيد السيستاني ومكتبه، بفداحة د

تزداد قناعة أوساط متزايدة بين علماء وطلبة الحوزة والمراجع الدينية العليا في النجف، بالبديل المدني للدولة المشوّهة التي تقودها نُخَبٌ تَحسب نفسها ممثِّلةً للإسلام السياسي الشيعي والسنّي. وتعترف هذه الأوساط، وفي صدارتها السيد السيستاني ومكتبه، بفداحة دور الإسلام السياسي وانعكاس نتائجه على العراق ومستقبل الشعب العراقي.

 وقدّمت خطب الجمعة الناطقة باسم المرجعية العليا على مدى سنواتٍ شواهدَ وأدلّة وقرائن على الترابط العضوي بين مظاهر الفساد والتدهور والرثاثة وانعدام الرؤية والطبقة السياسية المهيمنة، وعلى مسؤولية هذه الطبقة عن وضع البلاد على شفا منحدرٍ لا قرار له، ودورها في إنتاج أزماتٍ تُعيد تجديد وتدوير نفسها على كلّ صعيدٍ اجتماعيٍ واقتصادي وثقافي.
وكلما تفاقمت الأزمات واشتدّت الخلافات بين الرهط الحاكم، تعالت دعوة المرجعية، بوضوحٍ لا يقبل اللبس، إلى نبذ الطائفية وإقامة دولة مدنية عابرة للطوائف والأديان والهويات الفرعية. وكموقفٍ لافتٍ لصدقية دعوتها ورفعها الغطاء الشرعي عن النظام القائم بآلياته الطائفية وفساد نخبته الحاكمة، نأت المرجعية بنفسها عن أيّ سلوكٍ قد يناقض وجهتها وموقفها من الإسلام السياسي الذي يريد إدغام الدين والمذهب والطائفة في نسيج الدولة وإدارتها، وفي قوام الحكومة وأجهزتها ومؤسساتها المقررة، ورفض المرجعية استقبال قادة الدولة وزعماء الكتل والأحزاب السياسية شاهدٌ دامغٌ على هذا النهج والموقف.
وترى الأوساط الشعبية في هذه المواقف الرافضة لظاهرة الإسلام السياسي وأعراضها المَرَضية، انحيازاً واضحاً لمطلب العراقيين المباشر بإنهاء المحاصصة الطائفية والتحوّل إلى الدولة المدنية الديمقراطية، وتأكيداً مضافاً لدعوة السيستاني الصريحة الى البديل المدني الديمقراطي. وقد كان أمراً مهماً أشاع ارتياحاً بين العراقيين بغضّ النظر عن طوائفهم وانتماءاتهم، إيضاح المرجعية لدافعها في إصدار فتوى الجهاد الكفائي، الذي كان الهدف المباشر منه حماية العراقيين من الإرهاب وداعش، والدفاع عن العراق وأرضه وحرمة مواطنيه، وليس ما يُحسب ويَصبُّ لصالح ميليشياتٍ تتنازع في ما بينها على السلطة واقتسام مغانمها ومواقعها، وتوظيفها في إثارة الفتن الطائفية. وقد بان هذا الموقف بإطلاق تسمية المتطوعين المدنيين على الذين استجابوا للفتوى، بما ينطوي عليه من دلالة، بدلاً من تسمية الحشد الشعبي لتجنّب الخلط بينها والتجمعات الميليشياوية التي أحكمت سيطرتها على تشكيلاتها القتالية، وتصدرتها قياداتٌ معروفةٌ بميولها ونزعاتها غير المنسجمة مع الهدف والأغراض المتوخاة من فتوى المرجعية وتوجهاتها.
ورغم التمثيل المباشر للأُمناء العامّين للعتبتين الحسينية والعباسية لمرجعية السيستاني، من خلال قراءتهما لتوجيهاته ومواقفه في خطب الجمعة، فإن كثيراً ما تتردد أصداء إجراءاتٍ تُحسب عليهما ولا تنسجم مع ما هو معروفٌ عن السيد السيستاني ومكتبه، ومن ذلك ما يُقال عن تدخّلٍ في شؤون الدولة ومؤسساتها القضائية والتجارية وغيرها، مما يعكس استياءً وتقولاتٍ سلبية بين أوساطٍ شعبية لا تريد تعريض المرجعية ومقدساتها لأيّ إساءة وسوء فهمٍ ولغط. وفي هذا السياق يجرى الحديث عن توسعٍ غير مفهوم باسم العتبتين في الاستثمارات والتجارة، والترويج لشركاتٍ بعينها ورجال أعمالٍ معروفين بنشاطاتٍ تجارية لا يجوز أن تكون بأيّ مستوىً على مقربة من المرجعية، ومن بينها الدخول طرفاً في شركة موبايل تجارية، والمشاركة بالإعلان عنه في مؤتمر صحفي مشترك.! قد يكون كلّ هذا من باب الإشاعة والتعريض بالعتبتين والقيّمين عليهما، مما يتطلب توضيحاً مسنداً لا غبار عليه، فالعراقيون المؤمنون بمقدّساتهم، يرفضون أن ترتبط أسماء أئمّتهم بالتجارة والأعمال والاستيراد والاستثمار، وبعضهم على استعداد لبيع ما يملك ووضعه في صندوقهما، إذا كان المال والنفقات هي الدافع لنشاطاتٍ رفض الأئمة ممارستها، والإمامُ عليٌّ راية المعدمين، لم يؤشر في سلوكه ونهجه خلافاً لذلك.
وها نحن في مواجهة تدخّلٍ آخر للعتبتين هو في تعارض مع الدعوات لتوسيع الحريات المدنية والتضييق على المساحة الفاصلة بين ما يتميز بالخصوصية الدينية والمذهبية وما هو مفتوح على الحريات والحقوق والتنوع الثقافي والمجتمعي من حيث الانتماءات العقائدية والسياسية.
إنها الدعوة لتحويل الحلة إلى مدينة مقدّسة، وكأنه لم يعد يفي بالغرض أنّ البعض من دعاة الإسلام السياسي قد فرض ممارسةً ونزوعاً يريد تكريسهما كتقليدٍ ثابتٍ لا يتغير يَحرِمُ سكان الحلة ومثقفيها من عروضٍ ثقافية وفنية ورقصٍ شعبي في مهرجانات ثقافية..!