الاتّجاهُ غيرُ المرصودِ مِنْ ظاهرةِ الفسادِ وثقافتهِ..

رقم العدد: 3681 تاريخ اخر تعديل: 6/25/2016 9:05:46 PM

 فخري كريم

في زمن "ابن الدولة رقم واحد" عُرِضَ عليّ ملفّ قيل لي إنّ رجل أعمالٍ مُهددٌ بالابتزاز، وقد يتعرض الى مضاعفات رفضه لـ "الدّية العائلية" المطلوبة منه. وأكد الوسيط أنه يعرف موقفي من فساد الدولة و"ابن الحكومة" الذي تطرقتُ لسيرته في وسائل الإعلام، ولهذا "و

في زمن "ابن الدولة رقم واحد" عُرِضَ عليّ ملفّ قيل لي إنّ رجل أعمالٍ مُهددٌ بالابتزاز، وقد يتعرض الى مضاعفات رفضه
لـ "الدّية العائلية" المطلوبة منه. وأكد الوسيط أنه يعرف موقفي من فساد الدولة و"ابن الحكومة" الذي تطرقتُ لسيرته في وسائل الإعلام، ولهذا "وجدتُ مناسباً اللجوء إليك" على أن تتخذ ما تراه مناسباً من موقفٍ "ينسجم مع العدالة التي تبحث عنها" .

والقضية وتفاصيلها لم يعالجها القضاء، ربما لأجَلٍ غير معلوم، مثل كلّ القضايا التي ليس لها بداية وليست نهايتها مجزرة سبايكر أو سقوط الموصل والأنبار وفضائح البنوك والمصارف الخاصة ونافذة بيع العملة في البنك المركزي وضياع ودائع المواطنين بتواطؤات شرعيّة، وجهاز كشف المتفجّرات المزيّف الذي ما زال قيد الاستعمال في السيطرات رغم سجن مُورّده البريطاني في بلاده!
وتلك القضية وأبطالها، مثل كل القضايا وأبطالها، وآخرها، فضيحة رشاوى صفقات عقود النفط، التي قد يكون السيد حسين الشهرستاني ضحية "بريئة لها"، ويظل كذلك الى أن يجري التحقيق العادل النزيه حولها ويصدر الحكم بتأكيد البراءة أو الإدانة، ظلّت بعيدة عن أنظار السلطة، كما عن مساءلة رئيس مجلس الوزراء الذي أكد بشكل قاطع انه لن يولّي ظهره لها، مهما كان الثمن. والموجع حدّ الغثيان أنّ السيد العبادي لا يريد أن يعرف أنّ الناس لن تصدّقه مهما قال عن الإصلاح ما لم يعالج بجرأة وأمام الملأ هذه الملفّات الخطيرة التي تشكّل "أُسّ الفساد وعجينته".
أيام "الابن المدلّل" للحكومة المصونة عن المساءلة ولو على خراب العراق وانزياح أثره من خارطة الدول، كنتُ في غاية التفاؤل والحماسة حيال دور القانون والقضاء والعدالة في دولة "العراق الجديد". الدولة التي خرجت من بطانة معطف بول بريمر، ولم أكن أعرف بعد، المسافة بين الإسلام  والإسلام السياسي، مثلما لم أعرف الفرق بين القناع والحقيقة. لقد كنتُ وما أزال تحت تأثير إسلام أبي وأمي وجموع المسلمين الذين يحرصون على دفع زكاتهم وخمسهم في مواقيتها.
فَرحتُ أفتح المعركة تلو المعركة، يميناً وشِمالاً ، لا أوفّر صاحباً أو صديقاً. حتى أنّ الرئيس يومها عاتبني بالقول "إنك تنسى تأثيرك المباشر، وتذهب بعيداً في تأثير الإعلام "! وذكّرني شيخٌ صديق "لا تتعب نفسك، فجلود الجماعة مدبّغة فوق اللزوم" .!
لكنني واصلت، وقد فاتني يومها ما تعلّمته من أنّ "رأس المال جبان" وصاحبه أجبن، خاصة في دولة لا قانون ولا ضمانات حقوقٍ  وحماية استثمار فيها.
تبنّيت "عدالة الملفّ" المطروح أمامي، وتبين فيها الخيط الأسود من الأبيض، وتمّتْ معالجة جوانب منها بالتسوية بين الغريمين، لكنْ ما لم أُصدّقه أنّ صاحب الملف "الضحية" صار مقرّباً من الابن المدلّل وأبيه، وتوسّعتْ استثماراته وأصبح علماً مأمون الجانب.! وتحقق ذلك بشرط أن يُعلن تكذيب ادّعاءاتي..! وقد فعل، وسَكتُّ "كرماً لعيون أولاده " .. لكنَّ الملفّ مثل عشرات الملفّات والوثائق أصبحت الآن في طريقها الى ما سأكتب في "عودة الى بيت الذكريات " ..
ما جعلني أعود الى ذلك الملفّ اللقاء الذي جمعني مع أصدقاء مشتركين، بينهم مَنْ أُنزِّهه عن أيّ شبهة فساد أو تواطؤ. قيل في اللقاء إنّ المعروف في أوساط رجال الأعمال والأصدقاء، أنني كنت الوسيط في عودة علاقات صاحب الملفّ مع ابن الحكومة وترويج نشاطاته الواسعة، وأنّ دعوة عشاءٍ حضرتها مئات الشخصيات في لندن، كانت تكريماً لي ورَدّ جميلٍ على ما قدّمته من "خدمة ثمينة" لصاحب الملفّ وعائلته ..
ولم يتوقف الأمر عند الوليمة، بل إنَّ تساؤلات كثيرة أثيرت حول عدم مواصلتي نشر الوثائق الفضائحية حول أصحاب البنوك والمصارف الخاصة .! وأذكر مِن هذا أنَّ البعض نقل لي  أنَّ الإعلان المستمر عن وثائق الجلبي وتأجيل النشر كان القصد من ورائه "ابتزاز" أصحاب البنوك، مما دفعني لطلب الشروع بالنشر من دون انتظار الحملة الإعلانية المطلوبة في مثل هذه الحالات .
وأذكرُ من باب تسليط الضوء على مظاهر من الفساد لم يجرِ التوقف عندها، أنّ أكثر من وسيطٍ عرض عليّ عشرين مليون دولار، ثم تضاعف المبلغ حتى بعد نشر الوثائق. وحين قيلَ للراشي إنّ الوثائق قد نُشرت، أجاب: يستطيع أن يكتب تقريراً يقول فيه : بعد نشر الوثائق تبيّن أنّ كلّها ليست صحيحة. وحين قيل له: ألا تعرف فخري كريم، أجاب بأريحية عراقية بلغةِ فاسدٍ يحتمي بنظامٍ فاسدٍ ومتفسّخ:"يعني هو ثمنه أغلى مِن كلّ الدولة والمسؤولين بيها؟ " ..!
لقد لا حقنا ظاهرة الفساد من زاوية واحدة تتعلّق بالفساد الإداري والمالي وبالمرتشين ، وأهملنا كلّ الذين أشاعوا ثقافة الفساد من رجال الأعمال والشركات والمرابين والوسطاء، وهم مَن اشتروا "غالي الدولة برشىً رخيصة " وأسسوا لأول مرة مثل أشياء كثيرة من صناعة وبراءة اختراع العراق الجديد "صناديق شراء الذمم.. !
وبين أكثر هؤلاء مِمّن لهم صولات في حلبة الفساد بالرشى، الناشطون في ميادين الاستثمار، وحين يجري الحديث عن الفساد يُعلنون بالفم الملآن "نحن نعمل في الاستثمار بأموالنا، ولا علاقة لنا بالمقاولات ومزاداتها " ..
أحدهم ردّ بيقين وثقة على احتمال أنْ تطوله المساءلة بالتورّط في الفساد: أنا أخرج في التظاهرات كلّما كنتُ في بغداد وأطالب بملاحقة رؤوس الفساد، وأتعاطف مع المطالبين بالإصلاح والتغيير ..!