كارل ماركس الشاب

اسم الكاتب: علاء المفرجي رقم العدد: 4136 تاريخ اخر تعديل: 2/14/2018 6:04:14 PM

فيلم لايعتمد الصورة النمطية لماركس كما عرفناها بالكتب صورة انسان ملتحي ذو نظرة صارمة وباردة، تحيل الى الفلسفة، أو الى الفترة التأسيسية للشيوعية التي سيكون لها دور كبير في إعادة تشكيل المشهد الفلسفي والفكري للعالم
فمن أجل فهم أفضل لعصر معين ، وتبصّر مباشر في التاريخ . حين نتعرف على سيرة شخصية ما ، فإننا نخبّر عصراً بأكمله . قال نيتشه عن غوته : (( إنه حضارة بأكملها )) . وغوته مثل سائر الرجال العظام هو كناية عن إستشراف وتوجه بالنسبة لنا.
غالبا ما تكون السيرة شاملة ، إذ يكون لديك حياة ،أفكار ، جوهر شخصية ، كلها في مكان واحد . وحياة فرد تكشف عن حقائق كونية عن الحالة الإنسانية . فالسيرة تنقص من إسطورة الشخصية ، فتجعلك تراها على مستوى إنساني أكثر ، في ضعفها، وكذلك في تألقها ..
هكذا هو الحال مع فيلم (كارل ماركس الشاب) للمخرج راؤول بك، الذي يتناول جانبا من سيرة ماركس في مرحلة الشباب وهو يخوض بمسعاه الفكري الذي سيكون لها اثر مهم في التاريخ الانساني..
يبدأ الفيلم بمشهد لعدد من الفلاحين في الراينلاند، يقومون بسرقة الحطب من الغابة للتدفئة، فيكون مصيرهم القتل، حيث السادة على خيولهم، هذه الحادثة ستكون محور النقاش المستعر في مقر احدى الصحف التي يعمل بها ماركس، والذي ينتهي النقاش والمشهد باعتقاله، وهو ما سيتكرر على امتداد زمن الفيلم.. وفي مشهد متوازي نكون في لندن حيث اضراب العمال في احد المصانع التي يملكها والد انجلز حيث النقاش بين المضربين وادارة المعمل بحضور انجلز ووالده، والذي ينتهي بطرد عاملة ايرلندية ثورية، ستكون فيما بعد زوجة لانجلز. وحيث يقود البوليس الصحفي الشاب ماركس، يسقط انجلز مغشيا عليه بفعل ضربة من احد العمال.
ونتعرف على تفاصيل علاقته بزوجته جيني الارستقراطية، التي آمنت بافكاره ووقفت الى جانبه في تربية ابنائه في ظروف بائسة ، فنراها ترد قبله في نقاشه مع قادة الاشتراكية الفرنسية ومنهم برودون.واختارت المعاناة مع زوجها.
بهذين المشهدين نتعرف على شخصي ماركس وانجلز اللذان سيرتبطان بعلاقة صداقة متينة، ونتعرف على العصر الذي عاشه ماركس ورفيقه. من دون تلك الصورة التي انطبعت في ذاكرتنا عنهما، فسنرى عبثهما وارتيادهما لمحل شرب وهروبهم من البوليس بسبب عدم حملهم الأوراق الأصولية.
وسيأخذنا المخرج بك الهاييتي الأصل الى مراحل تطور وعيهما وعملهما وعلاقتهما التي توثقت بموازاة ما كتبوه فماركس يمتدح انجلز على كتابه «حالة الطبقة العاملة في إنكلترا» ويعتبره تحليلاً عميقاً، بينما يعتبر انجلز ماركس أعظم الماديين في الفكر الفلسفي ، ويستمر الاثنان في نضالهما الذي لايستكين والذي تبرز ثماره في كل مكان، فيكتب ماركس كتاب (بؤس الفلسفة) رداً على كتاب (فلسفة البؤس) ..
الفيلم يجتزئ جانباً مهماً من هذه السيرة التي ينهيها بتأليف (البيان الشيوعي) علم 1848 وهو الإنجاز الاهم الذي يحققه ماركس وانجلز في مرحلة الشباب، والذي سيستمر بتأليف كتاب (رأس المال) الذي لم يكمله وسيتولى رفيقه انجلز ذلك بعد وفاته.
أجمل ما في هذا الفيلم الذي اعتمد على سيناريو محكم وممثلين أجادوا الاداء في اللقطات الوثائقية في نهايته التي تضمنت مشاهد من نضال شعوب وشخصيات ثورية كان لفلسفة ماركس أثر كبير فيها ، غيفارا، ونيلسون مانديلا، ومظاهرات الفلسطينيين في القدس، وأيضا وول ستريت والكساد الاقتصادي بل وفشل الرأسمالية.