ريمون نجيب شكّوري

اسم الكاتب: لطفية الدليمي رقم العدد: 4132 تاريخ اخر تعديل: 2/10/2018 5:54:34 PM

اطلعت على كتاب (الرياضيات المعاصرة) للصف السادس العلمي الذي كان يدرّس في السبعينيات عندنا ، فوجدت مقدّمة الكتاب مكتوبة بلغة عربية متينة تنطوي على رسالة سايكولوجية غير مألوفة في الكتب التعليمية المقرّرة على مدارسنا بخاصة في موضوع مثل الرياضيات ، ولازلتُ أذكر تلك العبارة البليغة من المقدّمة التي جاء فيها : " إنّ تعليم الرياضيات بالطريقة التي عهدناها حتى اليوم جعلها تبدو أقرب إلى وصفات الطبخ منها إلى سلسلة محبوكة من الأنساق والمفاهيم والنظريات التي تجعلها إحدى المنجزات الحضارية الرائعة للإنسان " ، ثم تتبع المقدمة عبارات أثيرة يخاطب فيها مؤلّفو الكتاب الطالب مباشرة : " عزيزي الطالب : إننا واثقون بقدرتك الكاملة في حلّ كلّ التمارين والأسئلة الواردة في كلّ فصل دراسي في الكتاب ، وقد يستعصي عليك واحد أو إثنان منها ، ولابأس في هذه الحالة من الإستعانة بمدرّسك الذي لن يبخل عليك بجهده .... " . ملأني العجب - والدهشة معاً - لهذه الصيغة الحضارية الراقية غير المسبوقة في التعامل السايكولوجي الرفيع مع الطلبة ، وعندما بحثت عن العقل الذي وقف وراء تلك المؤلفات علمتُ أنّه الدكتور ( ريمون نجيب شكوري ) أستاذ ( التوبولوجيا الجبرية ) في قسم الرياضيات بكلية العلوم في جامعة بغداد ، وقد أشرف الرجل على تأليف سلسلة كاملة من كتب الرياضيات المعاصرة في المرحلة الإعدادية آنذاك بدل الإعتماد المباشر على مؤلّفات اليونسكو الشائعة ، ثمّ علمتُ أنّ الرجل ذو اهتمامات لغوية وفلسفية وتأريخية مع ولع خاص بتأريخ العلوم وفلسفتها .
وعندما بحثت في الشبكة الالكترونية عنه وجدت له سلسلة فاتنة من المقالات التي تناول فيها موضوعة الدوغمائية الدينية ، ثمّ شاهدت له تسجيلاً فيديوياً من الولايات المتحدة الأمريكية التي هاجر إليها وصار أستاذاً في إحدى جامعاتها قبل أن يتقاعد ، وكان كلامه مشحوناً بنوستالجيا شفافة وأنيقة لبغداد تحدث فيها عن بواكير حياته في محلة ( عكد النصارى ) وأهمّ الشخصيات التي سكنت تلك المحلة الشهيرة بشارع الرشيد في قلب بغداد .
وقبل أيام انتهيت من قراءة كتاب ممتع له بعنوان ( صحوتي الفكرية ) هو عبارة عن سلسلة حوارات بين طالب صحافة مقيم في الدنمارك سُمّي في الكتاب بإسم ( منير ) وبين الدكتور شكوري ، والكتاب وإن كان يتناول موضوعة جدلية إشكالية بشأن فكرة الدين وتأثيره في تشكيل العقول الفتية على نحوٍ مؤدلج ؛ نقرأ في الفصول التمهيدية للكتاب عن حياة الدكتور شكوري المبكرة والكيفية التي يتم عبرها تلقين التعاليم الدينية بطريقة غالبا ما يصاحبها الوعيد والتهديد بالعقاب الذي ينذر بخلل نفسي لاحق ، وتبدو هذه الفصول التمهيدية بمثابة سيرة فكرية لعقل اختار المضيّ في مسار التمرّد العقلي على المواضعات السائدة ؛ فيكتب الدكتور شكّوري عن جوانب من هذا التمرّد الثوري أثناء دراسته في كلية بغداد ثمّ اثناء دراسته في كلية الهندسة ليتخرّج مهندساً مدنياً ؛ لكنّ عقله الديناميكي وروحه الثورية الوثابة تأبى العمل في المهنة الهندسية التي لاتلائم عقله التحليلي الرياضياتي فيعاود الدراسة في كلية العلوم بقسم الرياضيات ثم يذهب في بعثة لدراسة الدكتوراه في الرياضيات بجامعة آيوا في الولايات المتحدة.
تحية للدكتور ( ريمون نجيب شكوري ) ولصحوته الفكرية التي ساهمت مع العقول المنتجة في التخطيط لعراق أرادوا له أن يكون حضارياً ناهضاً ؛ لكن الحروب وافتقاد الحكمة السياسية والفوضى أفضت لغير ماحلموا به.