محاولة لقراءة أفكار شاعر

اسم الكاتب: نجم والي رقم العدد: 4125 تاريخ اخر تعديل: 1/30/2018 6:50:14 PM

لا أدري لماذا كلما زرت لشبونة، وكلما جلست في مقهى البرازيلية إلى جانب تمثال الشارع ومؤسس المعاصرة الشعرية في البرتغال فرناندو بيسوا، كلما حاولت معرفة بماذا يفكر الشاعر الذي يبدو صامتاً وميلانكولياً في الصور وفي التمثال؟ دائماً أراه يفكر بهدوء. تلك هي صورته التي أعرفها عنه. مرات أقول لنفسي، ربما فكر بحبه الوحيد "أوفيليا" بالرسالة التي سيكتبها لها بعد حين؟ ربما فكر بأشباهه، بأندانده المُخترعين، أولئك الذي أطلق المختصون بدراسة أدبه، "الشعراء الأسطوريين"؟ ربما فكر بطفولته البعيدة التي قضاها في سنواته الأولى تحت رعاية أبيه، يواكيم دي سيابرا بيسُوا، الموظف المتعلم، المثقف الذي كتب النقد الموسيقى، وأمه ماريا ماجدالينا نوغييرا، إبنة الطبقة الأوروستقراطية البرشلونية؟ ربما فكر بطفولته اللاحقة بعد وفاة أبيه عام 1893 نتيجة مرض السل وبعمر 43 عاماً، وعيشه وله من العمر 5 سنوات لفترة قصيرة مع جدته التي ماتت مجنونة؟ ربما فكر بطفولته اللاحقة في مدينة "دروبان" في جنوب أفريقيا، حيث عمل زوج أمه الذي تزوجته بعد سنتين من وفاة والده، الجنرال خوا ميغيل دي روسا قنصلاً هناك؟ ربما فكر بأيام تعليمه الأولى في دير "ويست ستريت" في دروبان، حيث تلقى تعليمه الإنكليزي الأول، ليدخل تباعاً إلى الـ"هاي سكول"، وينهي دراسته بتفوق؟ وهي تلك الفترة بالذات، التي دغدغه فيها الشعور الذي قال له، بأنه "اُنتدب لكتابة الشعر"، كان في الثانية عشرة من عمره، عندما كتب بالإنكليزية أبياته الأولى، وعندما سيصبح طالباً في جامعة "كاب شتات" في جنوب أفريقيا، سيفوز في الجائزة الاولى للملكة فكتوريا للإنشاء الإنكليزي؛ ربما فكر في قراءاته الأولى التي تركزت في تلك الفترة على الشعراء الإنكليز فقط، ميلتون، بايرون، تشيلي، كيتس، بالطبع قبل كل شيء شكسبير، قبل أن تُضاف لهذه القائمة في سنوات لاحقة أسماء شعراء وفلاسفة بلدان أخرى ومن كل العصور، قبل أن يعتقد أنه ودع مرحلة القاريء الذي لا يشبع، وأنه كفّ عن قراءة أي كتاب تقريباً، لأنه اكتشف أن الأدب هو خدمة الحلم،، و" للوصول لذلك لا يهم الكفاح الدائم الممتزج بالشدة والقوة، ولكي يصبح كاملاً، ليس هناك كتاب ينفع"، كما كتب في سنة 1910؟ ربما فكر بعودته إلى لشبونة قبل كتابته تلك الجملة بخمس سنوات، عندما جاء إلى مسقط رأسه وسجل في قسم الفلسفة لجامعتها، ثم ليتركها مبكراً عام 1907؟ كانت تلك الفترة التي قرر، أن يشق بنفسه طريقه في الحياة، ويشترى آلة طباعة، كانت تعمل كما وصفها هو "بوجع راس"، ثم ليبدأ عمله كـ "مراسل" لشركات أجنبية حتى وفاته؛ ربما فكر بأصدقائه الذين شاركوه جلساته في المقاهي، الشاعر ماريو سان كارنيثيرو والرسام والكاتب خوزيه دي ألميدا نيغريروس (الذي يعتبر أبا الحداثة البرتغالية)، واللذين كانا في هيئة تحرير مجلة "أورفيو" ذات الأهمية الكبيرة رغم صدور عددين منها فقط وتوقفها عن الصدور عام 1915، لأنها كانت إشارة لبروز جيل أطلق عليه في البرتغال "حركة الطليعة"؟ خاصة صديقه الأول، كارنثيرو، الذي انتحر في العام 1916 في باريس بعد وقت قليل من إعلانه ذلك في رساله بعثها إلى بيسُوا، الهزة التي أحدثتها المجلة والمعلم الحاسم الذي تركته في الأدب البرتغالي وشخصيته، حيث عمل فيها محرراً (كان أحد المؤسسين لها)، كل ذلك ترك ظله حتى فترة لاحقة، وكان أحد أهم الأسباب التي قادت إلى التحمس بنشر مجلد لأعماله اللاحقة التي تركها جميعها تقريباً دون نشر حتى وفاته؛ في عام 1942 لم ينجح أصدقاؤه إلا باستلال بعض من كوم دفاتر مليئة تركها في صناديق إزدحمت بالمخطوطات، لأن بيسُوا الزاهد، لم ينشر في حياته إلا القليل، مسرحية واحدة "البحار" وبضعة قصائد، نشرها تحت اسماء "منتحلة" أخرى؟
ربما فكر بيسُوا بهذا أو ذاك أو ربما فكر بهذا كله، لكن لا أظن أنه يتخيل، أن من يجلس إلى جانبه ويصمت هو رجل قادم أصلاً من بلاد كفت أن تكون كان اسمها الجمهورية العراقية، وأن الرجل يفعل كل ما في سوعه يأتي كل عام لزيارة لشبونة ليعرف فقط، ما دار في ذهن الشاعر آنذاك.