وجوه صدام الجميلي

رقم العدد: 4121 تاريخ اخر تعديل: 1/26/2018 5:37:06 PM

يشكل التركيز على الوجوه في اللوحة الملمح الأبرز في أعمال الرسام العراقي صدام الجميلي الأخيرة (عُرضت في الكويت معرض بوشهري). إذ استبدل الوجه بتكوينات سابقة، مثل القمع، أو المسخ، أو قناع الكيماوي. والملاحظ إن الوجه لا يطل وحيداً في فضاء اللوحة، وتشترك

يشكل التركيز على الوجوه في اللوحة الملمح الأبرز في أعمال الرسام العراقي صدام الجميلي الأخيرة (عُرضت في الكويت معرض بوشهري). إذ استبدل الوجه بتكوينات سابقة، مثل القمع، أو المسخ، أو قناع الكيماوي. والملاحظ إن الوجه لا يطل وحيداً في فضاء اللوحة، وتشترك معه وجوه أخرى لطفل أو امرأة. وكلهم، غالباً، لا ينظر إلى ما يمكن أن يكون العين التي ترسمه، أو التي تراقبه،إذا كانت لمشاهد اللوحة.إذ النظر منشغل بكتاب، أو بالانحناء على جثة، مراقباً لها، أو متمماً ما ينقصها من لون أو ملامح، أو مراقباًجمهوراً افتراضياً يختلف عن جمهور اللوحة، كأن يكون جمهور مستمعي المغني في لوحة المغني.
تصل الوجوه إلى تسعة في إحدى اللوحات ولا يسدد أي وجه منها النظر إلى المشاهد. أهي علامة لا مبالاة اللوحة بمشاهدها، ومضيها المتواصل في فرض منطقها ورؤيتها وتكويناتها، وما تنطوي عليه من محمولات نفسية واجتماعية وثقافية وإنسانية، على جمهور متلقي الرسم؟! أيشير ذلك إلى رغبة العمل في أن يبعد المشاهد عن أي تركيز بصري محتمل على أي جزء من العمل؛ فالمعنى في العلاقة بين الأجزاء، وهي علاقة تشبه تلك التي يسميها السرديون"الحركة" من الانفصال إلى الاتصال، التي يتشكل منها السرد،ومن الاختلال إلى التوازن؛ فالعين في اللوحة تتابع ما يشكل خللاً أو نقصاً في العالم النفسي أو القيمي أو الشكلي، وتنبه إليه، وبطريقة ما تشير إلى سبل التخفيف منه. وهي تُلفت المشاهد إليه. إذ ليست قيمة العمل في التمام بل في النقص الذي يُترك سافراً في العمل، ويُنبه إليه إيماء. وليست غاية العمل إتمام النقص أو سده، ولكن التنبيه إليه.
لا تخلو الوجوه من ملامح الرسام الشخصية؛ فهو فاعل في العمل وعبره في العالم، ولا تخلو من ملامح فاعلين آخرين مثل سعدي يوسف وعبد الله الغذامي وجبرا إبراهيم جبرا وعبد الحليم حافظ وصلاح فائق. وهي ملامح عابرة،نشعر أنها غير مقصودة، وربما تكون كذلك، وتشير إلى رغبة صدام الجميلي في توزيع الفاعلية الفنية والأخلاقية على عدد من الفواعل الثقافية تنتمي إلى حقول ثقافية وإبداعية متنوعة أدبية وفنية. والغاية منها تخفيف حضور الملامح الشخصية للرسام والتشدد في إبعاد شبهة السيرة الذاتية عن عالم اللوحة؛ إذ هي ليست انعكاساً لسيرة الرسام، وليست سعياً إلى التنفيس عن مشكلاته الفكرية أو النفسية أو الثقافية أو الحياتية، ولا تبنى على مطامع مادية، وليست تغازل المقتنين، وليست تدعو العين المشاهِدة إلى الاستقرار على ملمح معين، أو بؤرة ثابتة، أو تبني منظور قار يتبناه الرسام، يطل على عالم قار مكتمل. وإنما هي حث على النظر إلى العلاقة بين تكوينات اللوحة وما تتسم به من اختلال ونقص،يشكل حركة سردية تكوّن فضاء اللوحة المتسع،الذي ينتج معنى فعل الرسم وقيمته.وما يتصور الرسام أن على اللوحة وفعل الرسم، أن يؤدياه، فهما يشددان على الحركة الفاعلة، لا على تمام التكوين. وهما، اللوحة وفعل الرسم، يفتحان عين المشاهد على احتمالات متعددة للنظر والمعنى، ولا يحصرانه في مركز محدد أو بؤرة يجتمع عندها معنى اللوحة أو تكتمل فيها صنعة الرسام. وهما، اللوحة وفعل الرسم، يشددان على دور الحركة في اقتراح جمالية جديدة للوحة مغايرة للمألوف في الأعمال الفنية المقبولة عند متلقي التشكيل ومقتني اللوحات، جمالية تُبنى على السمة السردية التي تميّز العمل عن غيره، وتجعل اللوحة تؤدي دور الفيلم والرواية والقصة في متابعة متغيرات الحياة ورصدها والتنبيه إلى عيوبها ومشكلاتها. وهما، أي اللوحة وفعل الرسم، يشددان على معنى الحركة الذي يصل اللوحة بالحياة. إذ تهجر اللوحة الولاء للجمالي بصفته تشكيلات ومعايير مستقرة، وتستبدله بالولاء للمعيش والمتغيّر والحادث الذي يفرض منطقه على الذات والفكر والثقافة، وعلى أشكال التعبير. وهما، اللوحة وفعل الرسم، يؤكدان قيمة الحركة التي تحيل إلى قيمة الفن التي لم تعد تزينية ولا تكميلية، وإنما افهامية وأساسية؛ إذ تشخص وتنبه وتشير إلى السيرورة التي ينبغي أن يتخذها الفعل الثقافي والإنساني ليثبت وجوده في عالم يغفل وجوده، فهو لا يريد فرض رؤية جاهزة ثقافية أو جمالية،ولا فرض معنى مسبق. ولا يريد تغيير العالم، وإنما يسعى إلى أن يكون موجودا في عالم لا يعرف الثبات أو السكون، أو يعترف بهما.
لا يخلو عمل صدام الجميلي ذاك من خسائر، فكيف يغيّر الذائقة التشكيلية العامة المهيمنة في تلقي اللوحات المبنية على معايير جمالية ودلالية مستقرة؟! وكيف يكون مفهوما ومقتنى، ما دمنا نتحدث عن شروط سوق الفن التشكيلي، وما دمنا نتحدث عن الفنان إنسانا له حاجاته النفسية والمادية؟! ولكنها الخسائر التي على أي مبدع جاد وصاحب رؤيا أن يتكبدها قبل أن يكرس طريقته، ويجذب النظر إلى أسلوبه الفني ورؤيته.ولعلها في صالح تطوير عمله وانضاج رؤيته. والمراقب لأعمال صدام ومتابع معارضه، يجد تطورا لافتا ومتسارعا في شكل أعماله وفي محمولاتها. ويجده يتخلص، باستمرار، من التكوينات التي تفقد وظيفتها الجمالية أو دلالتها، وهو أمر ليس بالسهل، إذ غالبا ما يستهلك التكوين التجارب الفنية، خاصة الشابة، ويقضي عليها. ويجده ينتقل، بسرعة، من مرحلة فنية إلى أخرى. ويجده يصير أكثر صفاء لونيا، وأكثر عناية بالعلاقة بين التكوينات داخل اللوحة. وهي علاقة تشغل فضاء اللوحة وتحوّله من خلفية بلا معنى إلى فاعل لا يقل، إن لم يكن يزيد، أهمية على تكوينات اللوحة وشواخصها من وجوه وقطع أثاث وأجهزة. وكلها، الفضاء وما يضم من شواخص، تشكل سمة العمل الفني، السردية، التي تمنحه فرادته.