فائق بطي الفقدان الذي يُحيّر المشاعر..!

رقم العدد: 4120 تاريخ اخر تعديل: 1/28/2018 9:50:08 PM

فخري كريم

كل يومٍ يمر يزداد الإحساس بوطأة الانتماء الى هذا الزمن ، زمن الإنكار والنكران وتهافت القيم والمعايير ، حتى كأن مراحل الانحطاط التي عبرها المجتمع تنأى بنفسها عن هذا الزمن وتتعالى عليه ..!ولا يمر يوم موشح بالسواد والأحزان إلا والحسرة تنزّ ألماً وأسفاً

كل يومٍ يمر يزداد الإحساس بوطأة الانتماء الى هذا الزمن ، زمن الإنكار والنكران وتهافت القيم والمعايير ، حتى كأن مراحل الانحطاط التي عبرها المجتمع تنأى بنفسها عن هذا الزمن وتتعالى عليه ..!
ولا يمر يوم موشح بالسواد والأحزان إلا والحسرة تنزّ ألماً وأسفاً وكمداً من الأحزان على الأمس الذي بدا كما لو أنه قاع الانحدار والخراب والالتياع ..
لم نعد نميّز لشدة الفجيعة وشيوع القيم الرثة ، بين ما نحن فيه من غربة وعزلة وتردٍ ، وقيعان الندم وأشجان الخيبة على ما مضى ، رغم ما كان فيها من جورٍ وعسفٍ وتبديدٍ للآمال والأماني والتطلعات .
يومها كان الموت نفسه ، وصنوف العذاب التي تلاحقنا أنّا إلتفتنا ، وصروف حياة كلٍ منا المُشبَعة بالزهد عن متع الحياة ، بل والجوع ، ونحن نتشوّف صوب غدٍ واعدٍ مُرتجى ، تثير فينا الشعور بالانتصار رغم هول الموت الذي كان أمنية تحت أدوات المُعذِّب الذي يجول بيننا الآن ويتسلط، مستفزاً أعمق مشاعرنا الإنسانية ، وهو يتوهم إننا لم نتعرف عليه وهو يتخفى بلحيته ووشمه وتعبّده الزائف ، كما هم عليه عرابوه من حثالة المجتمع وأوباشه .
هل أنا موشع بالحزن على رحيل صديقي فائق بطي بعد سنتين من غيابه الفجائعي كما أصبحت عليه لحظة ذاك ، أم أن هذا الحزن تراجع ، وتبدد ، رأفة به ورحمة له ولأصدقائي الذين سبقوه والذين لحقوا به غير راغبين بالبقاء بيننا مختنقين بروائح السحت والفساد وبتحلل القيم والكراهية ، بعدما انحدر إليه العراق الذي بات مكبّاً للنفايات ، يتحكم بمصائر الناس فيه شُذّاذ الآفاق ، حاملو أوسمة هزائم لم يعش العراقيون مثيلاً لها في أسوأ ما مر بهم من سقط المتاع ..
وأتساءل أحياناً ، عما إذا كان من بين أسباب موت فائق قهر لم تسمح بالإفصاح عنه سويته الإنسانية ، وسماحته وتعلقه ببعضٍ من خيوط الأمل ، ولحظات من اليقظة الآتية من مآثر شعبنا الذي لم يستكن عبر تاريخه ولن يستكين للقهر والعسف وتحكّم أشباه البشر ، ممن وضعتهم الصدف والأقدار ، فيما لم يحلموا به يوماً ، ليُمعِنوا في العبث بمصائرهم ومستقبل بلادهم واستلاب إرادتهما..
سنتان قاحلتان ، مدميتان ، مرتا على مواراته بتراب الغياب الأبدي ، والحيرة والتردد يتلفعانني ويذهبان بي كل مذهب ، أعليَّ أن أواصل الحزن عليه ، على فقدانه ، وتواريخ تحت التراب ، أم أحسده وكل الأصدقاء الراحلين على بقائي ملتماً على كل ما يحيط بي من أحزانٍ ومكاره وخيباتٍ واختناقٍ بفضلات هذه المرحلة التي لا يستحي حكامها وأولياء الأمر فيها من كل عيبٍ ، وانتهاكٍ ، ورثاثةٍ ، وتحللٍ ، وانحطاطٍ، على كل المستويات ؟..
ولم يعد لي ما أتأسّى به غير ما خلّفه لنا الجواهري العظيم:
أنا عندي من الأسى جبلٌ
يتمشى معي وينتقل
أرشدني عزيزي فائق فقد ضاقت بي السبل ، ولم تعد لي طاقةٌ على تحمّل المزيد من الخيباتٍ ، كلما أطلّ يوم جديد..
أرشدني ، لعل فيك وأنتَ تحت الثرى ، ما يبدد بعضاً من إحساسي بالفقدان...!