"سبية" الاشتغال الهادئ على جرائم الإرهاب

رقم العدد: 4120 تاريخ اخر تعديل: 1/24/2018 6:07:51 PM

كثيرة هي الأفلام التي تناولت الهجمة الإرهابية التي شنها مسلحو داعش على المدن العراقية ، معظم هذا التناول جاء محاكيا للواقع ، حيث نشاهد فيها الفعل الاجرامي ، قتل ، سبي ، قطع رؤوس ، إعدام جماعي وغيره ، هذا الاشتغال الفيلمي ربما يكون له أثر نفسي حاد على

كثيرة هي الأفلام التي تناولت الهجمة الإرهابية التي شنها مسلحو داعش على المدن العراقية ، معظم هذا التناول جاء محاكيا للواقع ، حيث نشاهد فيها الفعل الاجرامي ، قتل ، سبي ، قطع رؤوس ، إعدام جماعي وغيره ، هذا الاشتغال الفيلمي ربما يكون له أثر نفسي حاد على بعض المشاهدين ، وهنا يأتي دور الاشتغال المغاير الذي يمكن أن يكون له نفس الوقع والتأثير على المشاهد دون إظهار مشاهد الذبح والاعدام والاغتصاب وغيره ، وهذا ما فعله المخرج الشاب ضياء جودة في فلمه "سبية" الذي عرض ضمن مسابقة المهر القصير في مهرجان دبي السينمائي الدولي الـ14 ، وحاز على جائزة أفضل فيلم في مسابقة المهر القصير .
الفيلم يتحدث عن امرأة ايزيدية تعيش لوحدها مع ابنتها وكلبها ، ومذياع تستمع من خلاله الى الاخبار التي ترد جرائم داعش ، في بيت على سفح أحد جبال منطقة سنجار التي أجتاحها التنظيم المتطرّف ، وقتل وشرد الآلاف وسبى العديد من النساء والأطفال .
لا أحد في المكان ، معظم السكان هربوا ، الرجال ذهبوا للتطوع للقتال بما فيهم زوجها ، هي الوحيدة التي رفضت المغادرة ، وبقت متمسكة بأرضها وبيتها .
كل حركة وكل صوت قادم يقلقها ، القلق الأكبر على ابنتها ، تخاف عليها من الأسر والاغتصاب ، خصوصاً مع اقتراب صبي يافع مصاب من بيتها ، فتقوم بتطبيبه ورعايته مستمعة الى حكايته ، وكيف إن المسلحين قتلوا اهله بدم بارد في ما كان هو يلعب خلف الدار ، وكيف شاهد بعينه الذي فعله مسلحو داعش بالنساء في القرية والقرى المجاورة ، هذا الحديث شكل لها دفعاً مضاعفاً لإنقاذ ابنتها من الخطر القادم ، حتى تقرر في نهاية الأمر ، أن ترسها الى اقاربها الذين يعيشون في منطقة بعيدة عن خطر الإرهاب ، لتبقى لوحدها تدافع عن أرضها وبيتها .
يحسب للمخرج ضياء جودة تمكنه من إدارة ممثلين غير محترفين ، يقفون للمرة الأولى أمام الكاميرا ، كذلك يمكن ملاحظة الحماس الكبير والجدية الواضحة الباديين على ملامح المرأة البطلة ، كأنها تريد أن تقول " نعم هذا ما حصل معنا ، سبي وقتل واغتصاب " وجاءت الفرص لتفرغ غضبها من خلال دور سينمائي قصير أتيح لها ، فتظهر في المشهد الأول وهي تقطع رأس طائر دلالة على قوتها وحزمها .
كذلك البنت المراهقة الصغيرة ، رغم انها لم تتحدث طيلة الفيلم لكن اختيارها جاء موفقا لما تتوفر عليه من ملامح تستشعر وانت تنظر اليها حجم المأساة التي مرت بهذه المنطقة وأثر ذلك على محيا الناس وملامحهم .
في هذا الفيلم لا تشاهد أي داعشي ، ولا عسكري ، بل الاشتغال كان على حالة القلق والمقاومة والصلابة التي تتوفر عليها المرأة ، هذا الاشتغال يوفر للمشاهد الاطلاع ومعرفة حجم الكارثة دون الرجوع أو عمل مشاهد يمكن ان تحاكي ما جرى ، حيث لعب الاشتغال على الجانب النفسي لأبطال الفيلم الدور الأهم في ذلك .
هنا تكمن صعوبة الفلم الروائي القصير ، لأنك تكون ملزما بوقت محدد ، يحب أن تستثمره بكافة دقائقه لإيصال رسالة فلمك ، وبالتالي تحتاج الى التكثيف واستخدام الدلالة بدل الحوار وبدل وجود عدد كبير من الممثلين ، وهذا أمر لا يتمكن منه الكثير من المخرجين ، خصوصاً الشباب منهم ، لكن ضياء جودة وكادر العمل ، استطاعوا ان يقدموا وخلال 15 دقيقة ، رسالتهم في إدانة الحرب والإرهاب ، وعرض مأساة ما جرى في المحافل السينمائية والتي تعد نافذة للأخرين للاطلاع على ما جرى ، سواء في العراق مكان احداث الفيلم ، أو في غيرها من المناطق والمدن التي احتلها التنظيم المتطرف وعصاباته التي عاثت في الأرض فساداً.