أضلل الألم عن مدائني

اسم الكاتب: لطفية الدليمي رقم العدد: 4116 تاريخ اخر تعديل: 1/20/2018 7:00:42 PM

هذا الألم اللئيم ، الألم الذي صار بديل رفقة وشبيه سجن أو متاهة ، كنت أضلله غالبا عن عناويني وأوصد نوافذي بوجه خطوته المدلسة ، تصده سنادين الورد الغافية على حافات النوافذ وتطلق الزهور - حين يرتطم بها – ألوانها القزحية وشذاها الراعش كموسيقى الكمان فينهمر النهار مشعاً ومحرضاً على اجتناء الحياة ويستفز لحظتي مثلما تثير شهوة البقاء كل تلك الكتب المكدسة على طاولتي وتلك الأوراق التي ستغدو رواية أو كتاب مذكرات أو غير هذا وذاك ، تحاصرني نقرات خفية عجولة على الكيبورد : أهذه أصابعي توقظ الحروف المتروكة للغبار وهمهمات الليل ؟؟ أم تراني أعوم في رؤى خادعة ؟؟ لا ، إنها لست ماتوهمت ، فأنا هذه الغارقة في الحمى والصمت والمتأهبة لمقاومة الألم .
حاصرني شهراً وما استسلمت، وكانت مكابرتي تنتشلني من قاعه المظلم فتنهض الروح ، غير أن الجسد يبقى مغلولاً الى شرارات الوجع تطوقه من جنب إلى جنب وتنشب أشواكها في العصب والعظام.
أتعالى على العجز البشري الذي يستعبد العقل ويخلخل العزيمة وأجدني في البرهة التالية قادرة على تضليل الألم بل نكرانه والتنكر له ، ألوذ بكتاب عن الشرق البعيد وأغنية لمطربة فارسية، تعزز طاقتي لغة النبات ، عشبة إكليل الجبل ترش خضرتها وشذاها في الهواء الممطور فأتمتم : هوذا مدخل النجاة ، أن أحسن المقاومة كل لحظة وأتعلم حكمة الشجر، أجدد أساليب المواجهة وأستبدلها بسواها كل آونة لأحوّل دون انصياع الجسد للوجع ، أتنشق الضوء ، أحتسي الموسيقى ، ثم أعلن إمتناني للحياة ومن أحب ، أرى النباتات تطلق براعمها وتتفجر خضرة وأقواس نور ، وشجرة الصنوبر تضج بالحياة مثلما تفعل عادة وهي تهب نفسها للحريق وتحمي الغابة من شهوة النار ،تسخر من العاصفة فلا تهتز ولاتنحني وتعلمني درساً بليغاً في رفعة الصمود ، الأشجار سيدات الطبيعة معلمات الأمل يساعدنني على التحمل ،فيهدأ ألم الخاصرة والضلوع المرضوضة ، تؤجله رشقات من موسيقى وأحاديث طلية أبتكرها ، غير أنه لايعلن انسحابه النهائي بل يدمدم ملتفاً كأفعى : سأتلبث طويلاً لديك ، أسخر منه : سأهزمك أنت العابر الزائل وأنا العنيدة الباقية.
أحاول استدعاء ضحكتي المرحة التي تراجعت وذوت بين كماشة الهموم، أحاول استحضارمباهج افترضها فلا تجيء سوى ومضات من الآمال والوعود القادمة وتمسد بدفئها ملامح وجهي التي قلّصها وجع الأضلاع المرضوضة وأخرسها.
أستدرج اللغة لتدرأ موجات الألم ، وأراوغه بالنص والمفردات الباسلة فيلاعبني مثل صبي أخرق ويتخفى ثم يباغتني معلنا هزيمتي وهو يتربص باللغة والضحكة والأمل المستفيق والرؤى المتزاحمة ، يتربص بالنص الذي يتشكل في القلب ثم يفتك بالأفكار ومناجيات الروح لنفسها ،أقول سأهزمه كما يهزم ذهبُ الشمس عتمة الطين ، هو الذي ماعرف السبيل الى مدائني ،هاجمني ذلك المساء على حين غفلة مخترقا تدابيري المحكمة وغفلتي عن غدر الحياة.
عندما تمكن مني هذا الوافد السيء بعد الحادثة تواطأت معه ذاكرتي وأطلقت طوفاناً من أحزان البلاد وجنون حاضرها وعتمة الغد، فتداعى اصطباري ووهنت قواي وأوشكت - مع جزعي – على التسليم بالهزيمة ، غير أني تشبثت بالصبر الواهن توأمي وملاذي ، لكنه خذلني وتحالف مع الضد – الألم وتلاشى بعيداً ووجدتني في صحراء قنوط وعتمة ، غادرني لدى اكتمال الليل وانكشاف النهار، خان صحبتنا الممتدة واكتمالنا ببعضنا طوال كوارث وحروب وفقدانات، ولبثت أتشبث به وأتمسك بألفتنا واكتمالنا القديم وأنسج على مهلٍ رداء النجاة.