بوّصلة الفنان مازن أحمد .. أفق التحديث في الموروث الرافديني

رقم العدد: 4115 تاريخ اخر تعديل: 1/19/2018 6:14:41 PM

محسن الذهبي

   يجتهد الفنان التشكيلي العراقي المغترب (مازن أحمد ) في استلهام العناصر التشكيلية من موروث الابداع الرافديني عبر الغور في البحث عن معبرات مرجعية لايجاد المعادل الموضوعي المعاصر المرتبط بتلك الجذور كعناصر تشكيلية، ليس بغرض اقامة بناء فني تج

   يجتهد الفنان التشكيلي العراقي المغترب (مازن أحمد ) في استلهام العناصر التشكيلية من موروث الابداع الرافديني عبر الغور في البحث عن معبرات مرجعية لايجاد المعادل الموضوعي المعاصر المرتبط بتلك الجذور كعناصر تشكيلية، ليس بغرض اقامة بناء فني تجريدي معاصر وحسب بل خلق اجواء تعبيرية ذات دلالة رمزية حيث تشكل الحروف المسمارية والاشارات اللغوية والاشكال المعاصرة للانسان المستمدة من أفق التاريخ كمرجعية يستند اليها الفنان ليطوعها بشكل انساني على نحو جديد. ففي معرضه الثامن المقام مؤخراً في  قاعة حوار بالعاصمة العراقية  بغداد ، بعنوان (  بوّصلة ) وهو أستمرار لمعارضه السابقة في أماكن متعددة من مدن العالم . والذي جمع  بين اللوحة  والمنحوتة .


إن استلهام التراث الرافديني والذي يعتمد على المزج الفني الواعي والمبتكر بين التصويرية والنحتية في العمل الواحد. وتوظيف المساحات الهندسية الملونة توظيفاً مثيراً للعين، رغم نزعت الفنان التبسيطية للشكل الفني والغنائية في اللون والميتافيزيقية في الفكر على خلفية روح فطرية تبحث بمشخصاتها الرمزية المعبرة عن حصار الأنسان المعاصر وضياعة على أرضية من التجريد الهندسي والموتيفات التراثية في خلق منحوتات ذات أشكال تقترب من روح التراث باستياء حداثوي ، مما دفعه للبحث عن مواد خاصة به أبتكرها ذاتياً ومن تجاربه النحتية خاصة ، قد تبدو بلا لون ويغلب عليها اللون الأسود لأنها صنعت من مواد تحمل ذات اللون لتقترب من روح التراث وهذا أقتراب اعتقد أنه مقصود من الفنان لتبسيط رؤى البحث .
إن الفنان يسعى بجد لامتلاك تقنيات جديدة تحتفي بإبهار الفنون الشرقية وألوانها ذات الروح المتوثبة واستيعابها لتلك البدائية المتفردة بالتعبيرية في الفكر الانساني باظهار رؤى فنية حديثة. فهو يحتفي بالاشكال التجريدية الهندسية ويغلفها بحس تزيني جمالي، مأخوذ بطيف الألوان الراسخة في الذاكرة الشرقية ومعبراً عن غنائية لونية تغري العين. إن أعماله تقرأ وكأنها نصوص تعويذية أو قدسية،
فمحاولات الفنان الابداعية يملأها الطموح بخلق لوحة عراقية رافدينية المرجع تسعى لاستيعاب الموروث ومناهج المدارس العالمية الحديثة في ذات الوقت. وخلق لوحة تحاكي طابع التراث بتوجهاتها واساليبها مع انها تنحو نحو التبسيط الشكلي الذي لايخلو من روح الابتكار والمعاصرة، اذ يخلق الفنان توفيقية جميلة بين العمل التزويقي والتعبيرية باحثاً بجد عن خصوصية تجديدية بانفتاحه على المنجز والاتجاهات التشكيلية العالمية والتأثر بها، فاعماله توحي بتلك الثقة الواضحة بالنفس والوعي بعالمية الثقافة والفنون
ومع ذلك يبقى (مازن أحمد ) يتأرجح بين قطبين جماليين يحاول أن يؤائم بينهما: هما ايقاض مخزون التراث الرافديني و خلق لوحة معاصرة. فهو ينطلق في مسعى خصوصي من مبدأ التفكير في التراث – الحي ،و تراث المرجع التاريخي - تراث الفرد- فالشيء الذي يبحث عنه الفنان هو خلق أرضية لمرجع تاريخي بالنسبة اليه. وهكذا نرى انفجار الاشكال الاكاديمية من الداخل كي يولد فناً آخر ذو خصوصية شخصية بابداع الفنان وتميز لوحاته واسلوبة الفني
فهو يبحث عن رومانسية حسية ومشهدية روحية فالاشكال لدية توقظ إحساس التفرد وتنقل احساس الانسان المعاصر وتبرز اتكاء الفنان على التاريخ كمعين تاريخي وفني.
كما أن معالجة السطوح الثابتة للوحات من طريق العجائن، وتقنيات البناء المضاعف وإنشاء العمل، وكذلك استعمال تقنية الكولاج على بعض السطوح الثابتة وغير الثابتة، أتاحا لها تعدد في خيارات تنفيذ الفكرة التي يعمل عليها. فالكتلة تتحرك عبر ترادف اللوحات بأحجامها المختلفة، حراك بخطوات ثابتة تتمحور عبر خلق عالم من الكتلة المعبرة والسطوح ذات التكتلات اللونية البارزة التي تشي بعمق سطح اللوحة.
ويبقى الفنان (مازن احمد ) محافظاً على المناخ الملحمي التجريدي مسيطراً على اجواء لوحته ومنحوتاته حيث تأخذ الرموز والحروف والموتيف الشخصي للانسان مركز الاهتمام. اذ تنجذب آلية كل الكتل والحجوم المحيطة به فهو يحاول خلق تداعيات لصدى صوت تاريخي مسترجع يوقظ صداه مسترجع الصوت في الذاكرة المحلية فالمعنى الرمزي الذي تختزنه تلك الرموز يخلق توازناً مابين مجرى الذاكرة العينية للفرد ومجرى الذاكرة الجمعية للمجتمع،
إن فنه يحاول أن يستبدل حقيقة نظرة اكتشاف قوى الابداع التي يخفيها الماضي، وثبات ماهو شعوري مستور في عمق الموروث المهمل أو المنسي وتجديده على مستوى اللاشعور بالمجابهة مع ثقافة الآخر. إن لوحات الفنان تعطي فرصة للتفكير وليس للتلقي السلبي والاستهلاكي للموروث إنه يحاول الخروج عن الشكل المتعارف عليه للوحة المسندية وابتكار أشكال توازي القيمة الفنية لذلك الموروث عبر اللوحة غير التقليدية المتعددة الاجزاء.إنه صرخة الحاضر في أستحتضار الماضي بشكل مغاير .