مدمنة في المتحف

اسم الكاتب: ستار كاووش رقم العدد: 4115 تاريخ اخر تعديل: 1/19/2018 6:12:59 PM

حين تراجع دور الفنان في أوروبا خلال أربعينيات القرن الماضي، وأصبح في مفترق طرق، بسبب ما تركته الحرب العالمية الثانية من إنتكاسات وتابوهات وآثار لامست روح الانسان وحياته ومعنى وجوده، فَكَّرَ وقتها الكثير من الفنانين بالحلم الاميريكي، لإنقاذ حياتهم أولاً، ثم تحقيق طموحاتهم الفنية، هناك في العالم الجديد حيث تعمل بجد لتحصل على أشياء كثيرة وغير متوقعة، والفرص متاحة للجميع، والسوق مفتوح لكل المواهب والامكانيات، وكل شيء متوفر وممكن. وقتها ساهم الكثير من فناني أوروبا في إنتعاش وتجديد الفن الامريكي، لأن الفنانين الأوروبيين قد سبقوهم كثيراً في طريق الحداثة والتجديد. وكما طغت التجريدية التعبيرية على الفن الاميريكي، فقد ظهر أيضاً نوع من الواقعية الحديثة التي إستقرت على قماشات رسم الكثير من الاميريكان، ونلاحظ ذلك في البوب آرت والواقعية المفرطة ومشاهد المدينة وغيرها الكثير. لكن فناني هذه (الواقعية) لم ينظروا فقط الى الجانب المضيء من حياتهم، بل فتحوا نافذة أخرى تطل على المشاكل الاميريكية حيث الفقر والعوز وآثار العنصرية وعالم الجريمة والمجتمع الاستهلاكي، وكذلك أجواء المدمنين والازمات الأقتصادية. وهذا النوع من (الواقعية) هو ما يستضيفه الآن متحف درينته في هولندا من خلال معرض كبير لأسماء لامعة وكبيرة في الفن التشكيلي. زرت المعرض الذي شملت أعماله سنوات (١٩٤٥-١٩٦٥) حيث بدأت خطوتي الأولى مع لوحة أدوارد هوبر (مطعم نيويورك) التي تعد من اعماله المبكرة، والتي لم تظهر عليها بعد تقنيته التي عُرِفَ بها. وبجانبها قليلاً تظهر لوحته الشهيرة (الشمس صباحاً) حيث تبدو زوجة الفنان (جوزيفينا) جالسة بشكل جانبي على سريرها، تنظر الى عمق المدينة وهي تطوي يديها على ساقيها العاريتين وتتأمل بإسترخاء يشبه الخواء، حيث تظهر من خلال النافذة بيوتاً حمراء ممتدة وتبدو كالبيوت المهجورة التي رسمها دي شيريكو. وفي جانب آخر من المعرض تظهر لوحة الرسامة أليس نيل المتخصصة برسم البورتريه، وقد رسمت شاب اسباني بفرشاة متحركة وطريقة تعبيرية. امضي قليلاً داخل المعرض فتتوضح امامي اعمال الرسام ريتشارد إيستيس الذي يرسم اعماله بطريقة واقعية مفرطة. في هذه اللوحة مزج إيستيس عالمين على قماشة واحدة، فإضافة لمحتويات المحل، رسم على الواجهة الزجاجية انعكاس الجهة الأخرى من الشارع، حيث الناس والسيارات، حتى خُيِّلَ لي وكأنني أرى صورتي ايضاً وهي تنعكس على الواجهة. تركت أضواء هذا المحل خلفي، لأصل الى عمل أندي وارهول ذائع الصيت (شوربة بريللو) وهو واحد من مجموعة اعمال تناولت ذات الموضوع، وكان العمل هنا عبارة عن مكعب من الخشب، مرسوم ومنفذ بطريقة يبدو فيها وكأنه واحدة من علب الكارتون التي تُعَبأ بها علب الشوربة. وقرب وارهول علقت لوحة (الفتاة الباكية) للفنان روي ليختنشتاين، وقد رسمها بطريقته المعروفة التي يعيد فيها رسم بعض اللقطات من القصص المصورة، بحجم كبير على الكانفاس. أتجول في المعرض لأشاهد من بعيد بورتريت شخصي كبير الحجم للفنان تشوك كلوز، اقتربت منه ليتضح ان الرسام قد نفذه على شكل مربعات صغيرة متداخلة ومصفوفة قرب بعضها على طريقة الكلمات المتقاطعة، وكلما اقتربت أكثر أصبح العمل وكأنه لوحة تجريدية، ولكن حين ابتعدت قليلاً الى الوراء، توضح العمل شيئاً فشيئاً ليصبح في النهاية وكأنه صورة فوتغرافية.
تجولت في المعرض لأقف هنا وهناك أمام أعمال جميلة اصبحت جزءاً من تاريخ الفن. اتهيأ للخروج، واذا بي أمام امرأة مستلقية على أرضية القاعة ومسندة رأسها الى الجدار، ويبدو عليها آثار الكحول والتشرد، تأملتها بدقة أكثر، فإذا بها تمثال من اعمال الفنان دون هانسون. كان عليَّ ان أنظر لها عدة مرات لأتأكد من كونها غير حقيقية، لأن هذا الفنان إشتهر بمنحوتاته التي تشبه الناس الحقيقيين، هو الذي لوَّن التمثال وأَلبَسَه ملابس حقيقية ووضع له شعراً مستعاراً واضاف له بعض التفاصيل والاكسسوارات الحقيقية وإختار له موقفاً او حركة من صميم الواقع، ليجعلك في النهاية تحاول ان تمد يدك لمساعدة هذه المرأة المسكينة.