شاي وجبن وحقائب

اسم الكاتب: ستار كاووش رقم العدد: 4109 تاريخ اخر تعديل: 1/12/2018 5:37:30 PM

لم يدر بخلد (هندريكه) الهولندية بأن الحقيبة التي إشترتها من بريطانيا ستكون نواة لمتحف فريد وجميل، بل هو أهم وأكبر متحف للحقائب في العالم. نعم، لقد كانت تلك الحقيبة الدائرية التي تعود لسنة ١٨٢٠ أول خطوة في طريق الحقائب الطويل الذي قطعته هندريكه بمساعدة زوجها وإبنتها المختصة بتاريخ الفن.
لكي أصل المتحف، كان عليَّ ان أقطع ساحة ريمبرانت التي لاحَ تمثال صاحب الحراسة الليلية منتصباً وسطها. بدا لي مترقباً وكأنه ينتظر أحداً ما سيخرج بعد قليل من مقهى الأخوات الثلاث التي تلتمع واجهتها الزجاجية قبالته. تركت الساحة خلفي، حتى وصلت الى بناية المتحف التي كانت بالأصل بيتاً لمحافظ إمستردام في القرن السابع عشر، لأدخل وأُفاجأ بعالم واسع من الحقائب ذات الاشكال والتفاصيل التي لا تخطر على بال أحد.
ثلاثة طوابق تشغلها خمسة آلاف حقيبة تعود الى خمسة قرون مضت. إنها رحلة مع الزمن، لكن عبرَ الحقائب، حيث يمتزج التاريخ مع الفن، والتصميم مع الحاجة، والإحتفال مع التقاليد، والثقافة مع روح الانسان المتجددة. توزعت الحقائب على مجموعات وضعت في فترينات زجاجية مضاءة بشكل جميل، ومصممة بطريقة تناسب نوعية هذا المتحف. يالهذه الحقائب التي تشبه فراشاة ملونة تطير فوق حقل من الزهور، بل هي تـشبه حقل الزهور نفسه. إنها أعمال فنية متكاملة. هنا منحتني الحقائب متعة النظر اليها، وجعلتني أتحسس ثقافة البلدان الذي جاءت منها. هنا عرفت كيف تعكس الحقائب روح العصر الذي عاشت فيه، وهي تتنقل بين الايدي والاماكن وتتنفس الهواء كإنها كائن حي. أنواع لا حصر لها من الحقائب، صُنَعَتْ على إمتداد سنوات طويلة، ولأغراض مختلفة، فهنا نرى الحقيبة التي تحملها المرأة معها أثناء الزواج، وهناك نشاهد الحقائب الصغيرة التي تعتبر حافظات للبورصة، وفي جانب آخر تطل علينا حقائب البريد، وايضاَ حقائب المساء التي تكون جزءً من إكسسوارات المرأة التي ترتاد مطعماً او تقضي أمسية في مكان رومانسي. وهناك ايضاً حقائب الفقراء البسيطة التي تـشبه العُليقات القماشية او الجلدية، وحقائب المدارس، وكذلك حقائب البريد، وغيرها الكثير من الحقائب التي شاعت في فترات مختلفة وبعيدة، وإستعملها الناس لأغراض مختلفة. ولا يخلو المتحف بالتأكيد من حقائب ذات تصاميم وماركات عالمية شهيرة، مثل شانيل ولويس فيتون وهيرمز. وقد صُنِفَت المجموعة التي يضمها هذا المتحف بإعتبارها أهم مجموعة حقائب في العالم، لأهميتها التاريخية وتنوعها وندرتها وعددها.
إضافة الى طوابق المتحف الثلاثة، هناك طابق آخر تحت الارض. شَغَلَهُ المتجر التابع للمتحف، وهنا يمكن شراء بعض الحقائب والمعدات وكذلك يمكن إقتناء الكتب التي تتحدث عن المتحف او عن الحقائب وتاريخها. والطابق الأول شغل ايضاً بعض القاعات ذات التصاميم الجميلة التي تعود للقرن السابع عشر، والتي يمكن تأجيرها من المتحف لغرض أقامة مراسيم الزواج أو بعض اللقاءات والاجتماعات المهمة.
بعد الانتهاء من التجوال بين موجودات المتحف وألوان حقائبه التي ستبقى فترة طويلة في الذاكرة، توجهتُ نحو المقهى التابع لنفس المكان، حيث يقدم المتحف (هاي تِي) كتقليد دائم لزبائنه ومرتاديه. لا يمكن بأية حال من الأحوال تجاوز فكرة لذيذة كهذه، لذلك قضيتُ ساعة من الوقت تقريباً في المقهى. وقد تناوبت النادلة على تقديمها ثلاثة أقداح لأنواع مختلفة من الشاي لي، وصاحَبَ كل قدح، نوعاً مناسباً من الحلويات أو المعجنات أو الجبن. خرجت صحبة الكتاب الذي اشتريته، عائداً من جديد بإتجاه تمثال ريمبرانت، لأشكره على بساطة هذا البلد وجمال هذا الفن وروعة هذه التقاليد.