نعم، للمهرجان لا، للمهرجة..الدكتور عقيل مهدي: الممكن المحتمل بالتعدد والافتنان

رقم العدد: 4106 تاريخ اخر تعديل: 1/8/2018 9:35:02 PM

د. نادية هناوي

تتميز كتابات الدكتور عقيل مهدي بنزوعها الأكاديمي نحو التفنن والتعددية، نظراً لتنوع مواهبه وإمكانياته، فضلاً عن تمتعه بحس إبداعي عال، وذائقة جمالية راقية أهّلته لأن يراود مختلف ميادين الفن والجمال، طارقاً أبوابه الإبداعية والأكاديمية بتجدد إنتاجي متنو

تتميز كتابات الدكتور عقيل مهدي بنزوعها الأكاديمي نحو التفنن والتعددية، نظراً لتنوع مواهبه وإمكانياته، فضلاً عن تمتعه بحس إبداعي عال، وذائقة جمالية راقية أهّلته لأن يراود مختلف ميادين الفن والجمال، طارقاً أبوابه الإبداعية والأكاديمية بتجدد إنتاجي متنوع ومعطاء.


وحاز لديه المسرح على اهتمام أثير، سواء بالتنظير له أو "التأرخة" لأصوله أو التتبع لتطوراته وتحديد محطاته العربية والعالمية..حتى لا مجال لأي دارس في الجمال أو باحث في فلسفات الفن وأصول التمثيل والإخراج المسرحي، من الرجوع إلى كتاباته ومؤلفاته التي تصب في الفن والجمال والمسرح والسينما على اختلاف مساربها وتياراتها.
وإذا كانت الأكاديمية بمعناها العلمي تعني فيض العلم وتشاركيته وغزارة المعارف والخبرات التي يتم نقلها وتبادلها في إطار حواري؛ فإن الدكتور عقيل مهدي تحلى بالأكاديمية في أوسع مدياتها وأرحب فضاءاتها مكرساً جهوده لها، حريصاً على تطبيقها بوسائل متعددة في مختلف مراحله العلمية والبحثية.
ولطالما عرف الدكتور عقيل مهدي بالتزامه المبدئي وانخراطه الواعي والصميم في الحياة انتصاراً لقضايا الواقع المعاصر وتطلعاته، مشاركاً في الساحة الثقافية والفكرية بقوة وثبات موجها طلبته ومحرضاً لهم على العطاء والاخلاص في الميدانين الثقافي والجامعي..كما عمل د. عقيل مهدي منذ وقت مبكر من مشواره الجامعي على توثيق صلته بالوسط الثقافي العراقي سواء أكان ذلك في عضويته لاتحاد الأدباء أو في تواصله مع المنظمات الفنية والتجمعات والملتقيات الثقافية في سعي منه إلى توكيد أهمية أن تمد الجامعة أواصر تواصلها مع المجتمع لتؤدي دورها المنوط بها في النهوض والتغيير.
انعكس هذا بالمجمل على فلسفته التي تمثلت جلية في أعماله المسرحية التي تجمع الذوق بالفكر ليكون من الجيل ما بعد الريادي الذي خطا بالمسرح العراقي خطوات تقدمية إلى أمام بأبعاد جمالية لا تخرج عن المنظور الأرسطي للواقع.
وهذا النزوع العملي نحو المسرح جعل د. عقيل مهدي صاحب رسالة تربوية أهم ملامحها الإيمان بالفن، وقد اتضح تفننه في الإيمان بالفن على المستوى العملي في ما نقله إلى طلبته من خبرات وتصورات على شكل محاضرات قدمها لطلبة الدراسات العليا كما في كتابه( فلاسفة ومسرحيون) الذي تناول فيه تجارب مسرحية بعينها ولخص جماليات مارتن هيدجر وجان بول سارتر ومرلوبونتي وجان فرانسوا ليوتار وميشيل بوتور ووقف عند مناهج النقد المعاصر، كما تحدث عن مسرح الموت وفن الضحك المسرحي
وفي كتابه (شخصية المثقف في الرواية العراقية) مارس د. عقيل مهدي دوره كناقد روائي متتبعاً تفاعل الإنسان ضمن صراع القيم ولم ينفصل اشتغاله كناقد روائي عن انهماكه كناقد مسرحي مهتم بمسرح الطفل في كتابه( التربية المسرحية في المدارس) الذي تتبع فيه جذور المسرح التاريخية بدءا من اليونان ومرورا بالدراما في القرن الثامن عشر وانتهاء بالعصر الحديث متناولاً الإطار المنهجي كمنظور ورؤية فنية في حدود السن ما قبل الدراسة الابتدائية، عاداً ذلك بمثابة النقطة المتحركة في الفضاء التي سترافق الطفل في مراحله اللاحقة والجانب الجمالي عنده سيتوثق محققا الهدف التعليمي وبانيا شخصيته.
ولقد أكد د. عقيل أهمية التقنيات في انجاز الفعل الفني في مسرح الطفل من ناحية تصميم الأداة كالقفاز والدمية والصندوق المحمول بحمالات ومسرح الطاولة أو الجدران، ووجد تقاربا بين مسرح الطفل والمسرح المدرسي وأن شروطه تشبه شروط مسرح الكبار من ناحية تنظيم البرنامج المسرحي واعتماد البناء الفني الدرامي مع ملاحظة أن مسرح الطفل من تقنياته دمى القفاز والدمى الخيطية أو ستارة خيال الظل وإشراك المتفرج الصغير بالفعل الفني محدداً خصائص اختيار النص المسرحي ومعماره الفني من ناحية اللغة والشخصية والصراع وبناء الحدث ، كما وضح خصائص كل عنصر من هذه العناصر، و طبّق ذلك على مسرحية النهر لسليمان العيسى.
وأولى مهدي المؤلف والحبكة الفنية من ناحية البنية والوظيفة اهتماماً، شارحاً كيفية تكوينها في عالم مسرح الطفل من زاوية الشكل الفني والعناصر الإخراجية وحدد ما ينبغي أن يتمتع به مسرح الدمى في ملامح الدمية وحركتها واتبعها بتطبيقات عن التعليم الفردي والمستوى الابتكاري وخطوات التعلم المسرحي عند التمرين وما ينبغي على مدرس التربية الفنية أن يقدمه من متطلبات العرض المسرحي مع ضرورة مراعاة قيم التوازن والتكوين والتباين والانسجام وكيفية تهيئة البرنامج التعليمي المناسب للنشاط المسرحي .
وللنص الدرامي سواء في مسرح الطفل أو مسرح الكبار ـ كما يشير د. عقيل مهدي الى تطورات في شروط الكتابة ومنها ضرورات الإخراج وتقنيات المنظر المسرحي كالمنصة واللون والضوء ووظائف الإضاءة في المسرح كالتبئير والفوكوس ضمن نطاق المرئيات.
وعلى الرغم من أن هذه المكونات تجتمع في السينما أيضا إلا إن الفرق عند د. عقيل يكمن في أن المعالجة السينمائية للمكان والزمان والحركة تظل مرتهنة بالكاميرا والمونتاج والسيناريو والإخراج وغير ذلك بينما يتميز المسرح بالقصدية في توظيف البنية السطحية والبنية الملمسية والمعمارية.
ولا يخفى إن دخول الدكتور عقيل مهدي معترك هذه الممارسات الجمالية والفنية ليس بالأمر السهل كما أن الاتزان في تطبيقاته ليس يسيراً ومع ذلك أظهر تفننا في كل ذلك مدللا على اخلاص وولع كبيرين تمتعت به نفسه التواقة الى الجمال..كذلك احتل علم الجمال كنظريات وعلاقات بالفن والحياة والحساسية التعبيرية مكانة مهمة عنده وخصص له بعضا من فصول كتابه( أقنعة الحداثة)..ومن المسارات المنهجية في هذا الكتاب إنهاؤه كل فصل من فصول الكتاب بأسئلة هي بمثابة استنتاج استقرائي يختبر به أذهان قرائه مؤكداً أهمية الأسئلة وأنها ديدن كبار المنظرين والفنانين في فلسفة الفن وعلم الجمال وتقنيات النتاج الفني والإبداعي منحازاً إلى المصادر والمراجع الغربية والعربية التي تمتاز بالجدة والابتكار واضعاً ملاحق بأسماء الأعلام الغربيين الذين وردت أسماؤهم في متن الكتاب مثل مانيه ومونيه أو المفاهيم التي تطرق إليها في الدراسة مثل المنظور والتجريد ووجهة النظر..
لعل اهم ما يَشخَص واضحاً في عطاء الدكتور عقيل مهدي هو المقصدية الخالصة لوجه الفن بجدية سقراطية وروح افلاطونية ترى الجمال في كل شيء وتقدس حرية الفكر التي لولاها ما كان لسان افرمون ومونتسكيو ونقدهما للفلسفة والتاريخ على السواء أن ينمو ليحل العلم محل العلم الإلهي.
ولقد تخرج في مدرسة د. عقيل مهدي متعلمون كثر أخذوا من أكاديميته وأفادوا من عطاءاته فكانوا اساتذة ومبدعين ليس هذا فحسب بل أفادوا أيضاً من الإنسانية الثرة التي تمتع بها الدكتور كمثال للمربي الفاضل والقائد التربوي الذي أتقن عمله فأحسن تمثله والذي انطبع بخلق رفيع حتى قلَّ من يناظره في أدائه..
ولا خلاف إن ما تمتع به الدكتور عقيل مهدي من مواهب فنية وما تمنهج عليه من التفنن والإبداع قد وظفه في التدريس الجامعي بنوعيه النظري والعملي كما مارسه في التمثيل بنوعيه التلفزيوني والمسرحي واثبته ايضا في قدرته النقدية التي خاض عبرها تحليل مختلف صنوف السرد متأثراً بالمذهب الواقعي الاشتراكي ومنبهرا بما فيه من أبعاد غيرية تتمثل في النضال في سبيل المبادئ منضماً إلى صفوف الكادحين والمحرومين، مطالباً بحقوقهم في التحرر والعيش الكريم.
وهكذا تموقع عطاء الدكتور عقيل مهدي شاخصاً ليحتل مكاناً مميزاً في خارطة الإبداع العراقي والعربي جامعاً المنهجي بالإبداعي، والمدرسي بالعملي، والفني بالثقافي، مؤطراً ذاته في لوحة خاصة تظل ممدة ناظريها بالجديد والأصيل.