هجرة الهجرات

اسم الكاتب: نجم والي رقم العدد: 4102 تاريخ اخر تعديل: 1/2/2018 5:42:51 PM

هل يمكن الحديث عن الهجرة، عن الفرار والحركة، عن انتقال الشعوب والأشخاص بدون النبي إبراهيم: هذه الشخصية الإستثنائية، التي يتفق الجميع على الانتماء إليها، من غير المهم ما اختلفوا عليه من أمور أخرى، أو ما واجهوه من مصائر وأقدار، بل من غير المهم ما تبقى في عروقهم من دم يجري وما إدعوه من أصول وأنساب؟ فهو أبو البشرية مرّة، وفي المرّة الأخرى راعيها، له وحده يبتهل المؤمنون من كل الأديان والمذاهب أن يهديهم  الله على طريقه، طريق "الصراط المستقيم"، "وجهت وجهي وسلمت أمري إلى رب العالمين، فاطر السماوات والأرض، لا إله إلا هو وحده، وما أنا إلا حنيفاً مسلماً على ملة ابراهيم"، كان جدي من ناحية والدي يردد ثم يكمل بعدها: "ربي أهدنا على الصراط المستقيم، صراط ملة إبراهيم"، ولا أظن أن جدي الذي عمل بستنجياً في مقبرة الإنكليز في العمارة منذ أن كان في الرابعة عشرة من عمره وحتى تقاعده، فعل ذلك وحده، ملايين البشر رددوا ذات الدعاء أو ما شابه للنبي إبراهيم، أكثر الشخصيات الأسطورية شهرة، وأعظمها مكانة دينية، في أدبيات الأديان العالمية الثلاثة، اليهودية والمسيحية والإسلام، فهو بعد آدم، يُعد الوالد الشرعي للبشرية، ولكل أولئك الذين يؤمنون بالتوحيد، أب كل أولئك الأنبياء الذين ظهروا في غرب آسيا خاصة، الرسل الثلاثة بالذات، العديد من أتباع الديانات التوحيدية، حتى تلك التي هي خارج الديانات الرسمية الثلاثة، الصابئية مثلاً، يحملون أسمه وإن بصيغ مختلفة، هو أبرام أو إبرام عند اليهود، آبراهام أو براهام عند المسيح، وإبراهيم عند المسلمين والصابئية.النبي إبراهيم، هذه الشخصية الاستثنائية، لسنا هنا بصدد تفاصيل حياته، لكن يظل الأمر الوحيد الثابت الذي لا يختلف عليه اثنان هو قصة هجرته المعروفة، التي يمكن تسميتها هجرة الهجرات، هجرته التي هي خلاصة فعلية لكل ما حدث لاحقاً عبر التاريخ من هجرات: فرار وحركة. بكل ما يحمله الفرار من معانٍ مرادفة، لها علاقة بإنقاذ النفس من تهديد طبيعي أم اجتماعي، من مجاعة أو حرب أو تهديد حاكم مستبد، بكل ما له علاقة بإنقاذ الحياة، بل بكل ما تحمله كلمة حركة من معاني تشير إليها، من ذهاب واياب، هجرة وعودة وانتقال.بالإضافة إلى ماروته الأديان السماوية الثلاثة عنه، تحدثت جميع المدونات الدينية، التي لها صلة بالأقوام التي عاشت في غرب آسيا، من أور السومرية مروراً بحاران وأورفة، ثم بدمشق وفلسطين ومصر، جميع هذه المدونات التي هي بمثابة وثائق "تاريخية" التي وصلت إلينا، تحدثت عنه وإن لم تذكره بالإسم، كما ذلك النص السومري القديم، الذي جاء على لسان شاعر سومري، والذي يتحدث فيه عن نهاية أور السومرية هذه، وما حدث فيها في أواخر سنوات حكم الملك أورثمو (النمرود) في أواسط القرن العشرين قبل الميلاد، أي في الوقت الذي يُفترض فيه شروع إبراهيم في هجرته ومعه، أبوه الطاعن بالسن تارح (آزر في سورة الأنعام/74) ولوط إبن أخيه هاران، وزوجته سارة، بعد تعرض عاصمة السومريين أور إلى هزيمتين عنيفتين على يد العيلاميين والأموريين، رغم أن النص لا يذكر إبراهيم بالإسم، إلا أنه لا يبخل برواية ما له علاقة بالقصة ، وكأن الشخصية التي يصفها، ليست غير شخصية إبراهيم، يقول الشاعر السومري: فارق الفحل مقره وتفرق قطيعه مع الرياح، ثم يعدد بعدها أسماء المدن السومرية الكبرى وهو ينعي مصيرها، لينتقل بعدها إلى وصف قرار السماء (لعنتها) بدمارها وسفك دماء أهلها، وكيف أن نحيب الناس استمر وأمتلأت الطرق بجثث القتلى الذين حظمتهم الرماح والمقامع وظلوا حتى أذابت الشمس شحومهم، أما من نجوا فقد ذلوا، حتى تخلت الأم عن ابنتها وهجر الأب ولده وفارقت الزوجة زوجها. وما يؤيد الاعتقاد بأن الفحل المعني من الجائز جداً أن يكون إبراهيم، هو قرابة الفترة الزمنية التي عاش فيها إبراهيم، مثلما يمنح النص الخلفية المقنعة لهجرة إبراهيم، لأن أن يهاجر أحد من مكان ما، أن يهرب لابد وأن تكون عنده أسبابه، خاصة وأن إبراهيم هنا يغادر أرض وادي الرافدين، جنوبه المعروف بخصوبته وثرائه، والذي كان حاضنة لهجرة شعوب أخرى إليه وليس العكس، ومثلما ارتبطت الهجرة الثانية لإبراهيم من فلسطين إلى مصر بعلاقتها بالمجاعة "السنين العجاف" التي ضربت الشام آنذاك، فإن الحرب التي تعرضت لها أور السومرية واجتياح الجيوش لها كانت هي السبب وراء هجرته الأولى.فهل أختلف سبب الهجرات اليوم؟ آلاف المهاجرين يهربون اليوم لهذا السبب من آسيا وأفريقيا وفي كل مكان. والسبب واحد دائماً: الحرب أو المجاعة. كأننا نعود من جديد لزمن هجرة الهجرات. زمن النبي إبراهيم.