منطقة محررة: عن الجوائز وشياطين أخرى

اسم الكاتب: نجم والي رقم العدد: 4145 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 2/27/2018 6:54:42 PM

"الجوائز لا تصنع كاتباً عظيماً"، هذه الجملة نسمعها تقريباً كل عام، وبالذات عند إعلان القوائم الطويلة أو القصيرة للجوائز العربية، البوكر خاصة، هي جملة بديهية في الحقيقة، ربما قدمت عزاء للذين اشتركوا في الجائزة وقبلوا شروطها لكنهم لم يفوزوا، لكنها لا تجيب على لب مشكلة الجوائز عندنا.
نعم الجوائز لا تصنع أدباً عظيماً ولا كتّاباً عظماء، وفي كل العالم، فكيف هي الحال في حالة الجوائز العربية، التي هي في أغلبها على مقاسات خليجية، وإن حاول البعض التمويه عليها بطليها بمختلف الأصباغ، مثل البوكر أو غيرها، والتي هي أصباغ "بنتلايت"، تشحب بعد حين.
لكن هل هذا هو لب المشكلة؟ لأن قضية وجود أدب عظيم أو غيره، هي مسألة لها علاقة بمعايير أخرى، بذوق آخر، تخصنا جميعاً كتّاباً ومتلقين، لا علاقة لذلك بمؤسسات وسلطات حكومية ودول، لأن الأدب انحط عندنا سلفاً كما الصحافة منذ سيطرة البترودولار عليه، وشيوع ثقافات الغنيمة والكذب والعنف عندنا، لابد إذن من إزالة الالتباس والحديث بصراحة عن موضوع الجوائز، طياً بعض الأفكار:
أولاً، علينا الاعتراف، أن هناك فارقاً كبيراً في الجوائز، بين جائزة يذهب الكتاب إليها وهم ينشدون في الجوقة. وبين جائزة تأتي ولم ترشح نفسك إليها، الجوائز العربية غالباً فيها إذلال، لا تطلب من الكتّاب الذهاب إليها وحسب، بل عليهم أن يوقعوا على ورقة، أنهم لن يرفضوا الجائزة، في حالة حصولهم عليها، على عكس الجوائز العالمية الأخرى، ليس هناك إجبار، وأنا أتحدث هنا عن الجوائز الكبرى، وليس الصغيرة، لنأخذ جائزة النوبل مثلاً: جائزة النوبل تأتي للكاتب، ولا يذهب إليها الكاتب، كاتب يرشح نفسها إليها مثل من يقوم بعملية انتحارية، سيهملونه.
ولكي يثبت البعض أن الجوائز لا تصنع كتاباً عظاماً، يذكرون أسماء كتاب لم يحصلوا على النوبل، ولجهلهم لا يعرفون، أن هناك جوائز جديدة في العالم وفي مقدمتها النوبلً، لا تُمنح للإبداع الأدبي فقط، الذي هو أمر بديهي بالحصول على النوبل، بل ارتبطت بمعيار أخر مهم: موقف الكاتب "المثالي": الموقف من الحريات، الدفاع عن المهمشين،عن الأقليات ...ألخ من الأمور المهمة، يمكنني ملء الصفحة هنا بالأسماء، لنأخذ بعض الأمثلة للذين حصلوا على نوبل: الروائي وليم فوكنر مثلاً، صاحب "الصخب والعنف" أرتبط أدبه بموقفه المضاد للعبودية في الجنوب الأميركي، ألبير كامو أرتبط أدبه بالدفاع عن حرية الإنسان، كذلك الحال مع سارتر (موقف سارتر معروف من الجوائز. رفضها)، بوريس باسترناك بموقفه ضد الديكتاتورية الروسية وستالين، التشيلي بابلو نيرودا والكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز والبيروفي ماريو بيرغاس يوسا مثلاً، كانوا كتاباً عاشوا في المنفى، وكانوا معروفين بمقاومتهم للأنظمة الاستبدادية، أورهان باموك بموقفه من قضية الأرمن والأكراد ... ألخ، كل ذلك يلعب دوره.
ثانياً: الجانب الأخر المهم هو التمويل. هناك فارق بين جوائز بوكر أوروبية تمولها دور النشر نفسها التي ترشح كتبها (كما في جائزة الكتاب الألماني التي كنت أنا أحد أعضاء لجنتها التحكيمية عام 2016) وبين جائزة تمولها دولة ريعية أو مؤسسة ذات طابع وتوجه رسمي بإسم رئيس دولة أو ملك أو أمير! لكي لا نتحدث عن الناشر العربي والذي سيفكر ألف مرة، بمضمون الرواية وسلوك الكاتب قبل أن يقدم هذا الكتاب أو ذاك لجائزة ما، لكي لا أبالغ وأقول اليوم وبعد كثرة الجوائز الدسمة، قبل نشره أي كتاب.
الكتابة اليوم في البلدان الناطقة بالعربية وبنسبتها الكبيرة ذهبت باتجاه الجوائز. حتى القراءة ذهبت بهذا الاتجاه، للأسف، فأي لجنة تحكيم تجرؤ بمنح جائزة لكتاب (ولها الحق ترشيح كتاب بنفسها) فيه نقد للسلطة التي تمل الجائزة وبشكل سخي؟ أمر غير منطقي طبعاً.
ثالثاً: فيما خص الترجمة. النهم "الجائزي، أو الجنائزي، جعل البعض يظن أن وصول روايته في القائمة القصيرة لجائزة البوكر مثلاً، يعني أن روايته ستُترجم إلى أربعين لغة، هذا وهم وأضغاث أحلام، إذا لا يكون سذاجة، ظناً منه، أن جائزة خليجية مثل البوكر ستجعل العالم جميعاً يعترف به. ولا يعلم أن دور النشر الكبيرة المحترمة في أوروبا لا تقبل رشوة المشرفين على الجائزة، الذي يمولون الترجمة. دور النشر التي فعلت ذلك، صغيرة وقليلة، ترجمت الرواية واحتفظت فيها في الجرارات.
ولأنني أعرف آليات النشر في ألمانيا أكثر من اي بلاد أخرى، سأتحدث عن هذه البلاد، حتى الآن لم تظهر أية رواية من البوكر في أية دار نشر المانية عريقة أو كبيرة، وإذا ظهرت (وبإستثناء واحد ربما)، فإن الدار لن تنشر كتاباً ثانياً للكاتب نفسه، كما حدث لإحدى الروايات التي حصلت على جائزة البوكر، نشر الكاتب بعدها على الأقل 3 روايات. لم يترجموا له ولا واحدة منها، وحتى تلك الرواية الفائزة استغربت المقالات القليلة التي كتبت عنها في المانيا فوزها، لركاكتها.
هناك تقليد تمارسه دور النشر الألمانية منذ عقود طويلة، تعطي الروايات للخبراء لكي يقيمونها، ولا تعتمد على الجائزة فقط. كل سنة أتسلم من دور نشر المانية معروفة، قائمة من روايات الجوائز لكي أبدي رأيي بها! موقف محرج طبعاً بالنسبة لي، لأن الصراحة مدمرة لمن لا يريد سماعها، مرات عديدة رفضت إبداء الرأي، لكن في العام الذي يليه، تعود دور النشر وترسل لي قائمة من جديد، لماذا؟ لأنهم يقولون، أنك رفضت في العام الماضي دور الخبير، وعندما سلموا الرواية لخبير آخر، ضحك هو الآخر. أتذكر أن إحدى الروايات الفائزة (ولأننا لا نريد ذكر أسماء هنا) حاولت 7 دور نشر كبيرة نشرها، سلموها لخبراء متعددين، كانت النتيجة واحدة الرفض لركاكتها (بالنص: لركاكتها!). روائي آخر فائز بالبوكر، تُرجمت روايته وعملوا عقداً مع وكيله، لكنهم بعد قراءتهم للترجمة لم ينشروا الرواية، اكتشفوا ضحالتها. نفس الأمر حدث مع الرواية الأولى مع دار نشر أسبانية بعد ترجمتها، ثلاث سنوات مرت على انتهاء الترجمة (التي طلبت فيها المترجمة الأسبانية مساعدتي) ولم تُنشر الرواية.
بكلمة واحدة: معايير الجوائز في أوروبا لا علاقة لها بتاتاً بمعايير العرب من اصحاب الجوائز. أمر يعني: الجوائز العربية هي حنون آخر، حنون زاد في الإسلام خردلة ولكن النصارى لا لهم شغل بحنون!
2010 كتبت عن جائزة البوكر، قيل في حينه، أنني كتبت، لأن روايتي "ملائكة الجنوب" رُشحت للجائزة ولم تفز، دون أن يدري الذين روجوا لهذه التهمة، وكانوا متنفذين في الجائزة، أنهم بهذا الشكل أيدوا ما ذهبت إليه في حديثي عن فساد الجوائز العربية، وإلا كيف يتسرب خبر ترشيح رواية ما (الذي لا دليل عليه)، وهناك سرية في عمل لجان التحكيم في الجائزة؟ وهذه المرة؟ لنرى ماذا سيقولون، الجميع يعرف أنني لم أنشر رواية منذ ست سنوات، كما أن روايتي الجديدة "إثم سارة" صدرت للتو في بيروت.