باليت المدى: تزوير اللوحات...الى أين؟

اسم الكاتب: ستار كاووش رقم العدد: 4152 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 3/10/2018 6:50:13 PM

سمعتُ مثلما سمعَ الكثيرون ما حَدَثَ ويحدثُ من تزوير للفن العراقي، وما صاحبَ ذلك من إنتهاكاتٍ طالت أعمال أهم فنانينا التشكيليين. عمليات تزوير تجري على قدمٍ وساق، وبطرق متشعبة جعلت التأكد من صحة هذه اللوحة أو تلك أمراً ملتبساً. تزوير إلتهَمَ قماشات الرسم العراقي مثل الحرائق، حتى ضاع الفن الحقيقي والأصيل بين الأقدام الضاربة للمزورين والأهداف الدنيئة لبعض التجار والمروجين، وكل الجهات المستفيدة من هذه العمليات التي تبدو منظمة. العملية تجري بشكل غير مسبوق وكأنها عملية إبادة مقصودة للفن.
لقد ضاع أرث الرواد وَسُرِقَتْ اسماؤهم من على القماشات التي رسموها ووضعت على لوحات لا تمت لهم بصلة، لا من قريب ولا من بعيد. من قام ويقوم بذلك ومن الذي يختبئ خلف الأبواب الموصدة، حاملاً فرشاة منحرفة لكنها حادة كنصل سكين، يمسكها ويوغل طعناً في الفن العراقي؟! أين البلد وأين الرقابة؟ أين ذهب خبراء التشكيل وماذا تقول الجهات المعنية حول ما يحصل من جرائم فنية فاقت التصور وتجاوزت الخيال؟ أين حكومة البلد؟ لكن عن أية حكومة نتحدث؟ هل هي ذات الحكومة التي لم تهتم أو تحرك ساكناً حين نُهِبَ المتحف العراقي وأُحرِقَتْ الوثائق والمكتبات. فهل ستتحرك الآن لتنقذ سمعة شخص إسمه فائق حسن أو آخر يسمى شاكر حسن آل سعيد؟ سمعة البلد نفسه وصلت تحت ظل الحكومة الى درجة هي بكل الاحوال ليست أفضل من التزوير! حكومة هي وجه آخر للتزوير بعد أن أفرغت البلد من كل ما فيه من خير وثقافة وابداع. سينظر الكثيرون لي الآن متعجبين وهم يقولون، كيف تطارد الحكومة تزوير اللوحات؟ وهل لديها وقت لذلك؟ هل لديها الوقت لتحمي تاريخ البلد هي التي تجر البلد ذاته خارج التاريخ؟! بلدٌ أصبحت لوحات أعظم فنانيه مزورة، كما هي شهادات أغلب ممثلي الحكومة فيه، (ومفيش حد أحسن من حد) كما يقول أشقاؤنا المصريون.
ماذا تبقى من أصالة البلد، وماذا نملك أكثر من ثقافتنا لندافع عنها؟ في الأيام الماضية أُضيفَتْ فقرة للدستور الهولندي تلزم تلاميذ المدارس الأبتدائية بأن يَطَّلِعوا على لوحة ريمبرانت (الحراسة الليلية) في متحف رايكس ميوزيام! تغيير في دستور البلد من أجل أن يعرف الأطفال قيمة ريمبرانت! ونحن بدلاً من تكريم فنانينا الرواد نُمعِنُ بالإساءة اليهم، وعوضاً من الاحتفاء بفائق حسن زُوِّرَتْ لوحاته وَوُضِعَ إسمه على رسومات ساذجة، ياالهي... انهم ليسوا وضيعي الطباع فقط بل سيئوا التزوير ايضاً!
لا أعرف إن كان بإمكان وزارة الثقافة التصدي لذلك أو إن كانت لديها الرغبة للقيام بهذا الدور، لكن يجب أن يحدث شيء يوقف هذه المهزلة، أو ربما علينا مناشدة جهات خارجية وداخلية لوقف الحرائق التي تخرج من فم تنين التزوير وتحرق الكثير، وفي طريقها ستقضي على ما تبقى، فالأمر وصل الـى مزادات عالمية معروفة مثل سوثبي وغيرها، مزادات لا يهمها الفن والثقافة العراقية ولن يرف لها جفن لذلك، بل هي تسعى للأرباح وبكل الطرق، وفوق كل هذا ليس لديهم خبراء مختصون بالفن العراقي وتاريخه وتقنياته، ولا يعرفون تمييز وقراءة اسم الفنان المكتوب على اللوحة، لأن معظم فنانينا يوقعون على لوحاتهم باللغة العربية. وفي النتيجة نخسر تاريخنا الفني ويربح السماسرة. تمتلئ جيوبهم بالأموال، ويُفَرَّغُ ابداعنا من مصادر قوته، ويصبح مشكوكاً بمصداقيته.
أتذكر الآن الشرطة الفرنسية حين إقتحمت المرسم السري للرسام والمزور الشهير (خرتيان يانسن) في جنوبي فرنسا لتقتاده الى السجن، هو الذي ملأ المعارض والمزادات وحتى المتاحف بلوحات زورها بنفسه، واعتقد إنه في مأمن وبعيداً عن أن تطاله يد العدالة. نحن بحاجة اليوم الى مثل هذه العدالة والقوة، لنطارد بها كل من يسعى لهدم ما بنيناه من فن وما أسسناه من ثقافة.