عزيزي طارق أبكيكَ، وأبكي بفقدانكَ هذا الزمنَ المُضيَّع.

رقم العدد: 4152 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 3/10/2018 9:47:38 PM

 فخري كريم

لم يعد للموت ماكان له في زمن الاحتفاء بصانعي نِعمِنا وخلّاقي القيم النبيلة، محترفي حياة الكدّ والعطاء، شغيلة اليد، المقصيِّين والمهمّشين حتى وإن كانت لعطائهم وفرة النعم وبهجة الدنيا.
كيف يُمكن أن يكون هذا اليوم، ونحن نتعرّى ونتمرّغ في أوحال هذا الزمن الذي لا يحتفي بغير رموز الرثاثة والتحلّل من كلّ القيم، ومروّجي الفتن والوضاعة وثقافة الكراهية وصانعي قيم الانحطاط، الذين يسدّون كلّ فضاءات المستقبل أمام هذا الشعب المبتلى.. المستكين!
كان الموتُ تضحيةً وقرباناً لغدٍ واعد وحياة كريمة لأولئك الذين يمنحون المعنى العميق للحياة وهم يقتحمون مسالكها الوعرة، ويتجشمون تحمّلَ صروفها لترتقي كرامة الإنسان، ولتصبح قامته هي معنى السموّ، لا أن يكون التدجيل والاحتيال والتجاوز والخديعة هي السيدة بكلّ ما تمثّله هذه السيادة من انحطاط وانكفاء.
كيف للموت أن يحمل هذا المعنى، إذا كانت الحياة الإنسانية نفسها قد مُرِّغت بمفاسد أدعياء التقوى، آباء رذيلة تحليل الحرام وتحويل فضائل الحياة ونِعمِها حراماً، وهم المتلبّسون بوشم مصاب العراقيين وبزيف التقوى والإيمان والتعبُّد الذي بات ستاراً للخديعة والتدليس.
طارق الشغّيل، يموت في سقيفته على مقربة من عمله لشدّة حبّه لوسيلة عيشه وإيمانه بأنّ العمل هو القيمة التي تتشكّل منها قامةُ الإنسان، وليس خزائنه ومواقع فساده وأدوات نصبه ورذائله وتجبُّره على من هم الأسياد في الوطن المبتلى..!
طارق والآلاف من المهمَّشين والمقصيِّين ممّن كانوا على الدوام يتطلّعون إلى زمن النور والفضائل الموعود، يموتون اليوم حسرة وقهراً على ما صار إليه الوطن، أو خشيةً ممّا يُخبِّئه لهم القدر الأحمق في متاهات الحياة، أو استشهاداً، حيث تذرو الرياح تضحياتهم!
عزيزي طارق العزاوي، الشغّيل المنذور للقيم السامية، نَمْ معافىً من دنس أعداء الحياة الذين لم تحبّهم أبداً، أشباه البشر، ممّنْ جعلت الصدفةُ منهم حكّاماً متجبّرين بفضل فسادهم.