رؤيـــة: من يريد الدولة؟

رقم العدد: 4155 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 3/13/2018 8:51:53 PM

 ساطع راجي

يخطئ من يظن أن القوى السياسية العراقية فشلت في بناء الدولة بعد ٢٠٠٣، لأنه هنا يفترض أن هذه القوى اعتبرت بناء الدولة هدفاً أو إنها قصدت بناء دولة لكنها فشلت بينما الواقع عكس ذلك تماماً؛ لا القوى السياسية ولا المواطنين أرادوا دولة من أي نوع كان في العراق بعدما طوّر صدام في سنواته الأخيرة القوى المنافسة والهادمة للدولة (الطائفة، العشيرة، الجماعات المسلحة شبه الرسمية،...)، وبرزت قيادات مجتمعية تعتاش ومعها أجهزتها على مرض الدولة وضعفها الذي انطلق منذ ١٩٩١، وجاء استحقاق البناء الجديد متناقضاً تماماً مع مضمرات ونوايا القوى السياسية الحاكمة التي تلتقي عند نقطة واحدة هي غياب الدولة وتغييبها؛ فالعقل السياسي العراقي حتى الذي كان معارضاً لعقود لا يريد دولة ديمقراطية لامركزية، هو يسعى الى دولته الخاصة المنسجمة مع طموحاته والخاضعة لحزبه وهي نفس تصورات قوى المنطقة حتى عام ٢٠١٤.
المواطنون أيضاً لم يرغبوا بدولة حقيقية رغم البكاء والعويل اليومي والحنين المتعب لأيام الدولة القوية، لكن منذ يوم ٩/٤/٢٠٠٣ فعل المواطنون كل مايمكن أن يحطم الدولة، فهم استولوا على أراضيها ومبانيها ونهبوا ممتلكاتها وزوروا وثائقها وانضموا لجماعات مسلحة ويبتكرون يومياً وبشكل جماعي الحيل للتملص منها وخداعها وهم عندما يطالبون بالدولة إنما يريدون من يطعمهم ويسكنهم ويحميهم بلا التزامات؛ فمئات الآلاف من المزورين لشهاداتهم الدراسية والذين يسكنون في بيوت واراضٍ مغتصبة ويستولون على أرصفة المدن ليجعلوا منها أسواقاً وكراجات هؤلاء لايريدون ظهور الدولة، الآلاف من رجال الدين وشيوخ العشائر الذين يعتاشون على غياب الدولة لا يريدون ظهورها، رجال الأعمال والمقاولون والتجار لا يريدون دولة تلاحقهم لجباية الضرائب وتقفل الشركات المشبوهة وتضع شروطاً صارمة للتعاقد، آلاف الموظفين غير المنتجين لايريدون ظهور الدولة التي تجبرهم على العمل مهما كان الأجر، حتى من ينتقدون غياب الدولة كمحللين وإعلاميين لا يريدون ظهورها لأنهم سيحاسبون على كل ما يقولونه ضد مصالح الدولة التي ستلاحق أيضاً مصادر تمويل المؤسسات الاعلامية والمنظمات التي تفرخ محللين وخبراء ونشطاء.
البكاء على غياب الدولة ليس حقيقياً دائماً بل نادراً ما يكون حقيقياً فقد تم بناء الحياة العامة على اساس غيابها بينما سيحطم ظهورها الكثير من الأعمال والعلاقات وسيؤدي الى تغييرات كبيرة بل هائلة منها تراجع مؤسسات اجتماعية مثل الطائفة والعشيرة واختفاء مصالح اقتصادية؛ اللاوعي الجمعي يدرك ذلك وبالاحتيال المعتاد أو بوسائل الدفاع النفسية جعل من الدولة مثالاً نحلم به لكن نستبعد وجوده كاملاً، مثل أي قيمة عليا، المجتمع ذبح الدولة بسبب الغضب من قهرها وفشلها في تحقيق أهدافه وحوّلها الى أداة قمع مطلقة.
المفاجئ أن استنهاض الدولة في العراق اصبح مطلب القوى الدولية بما فيها المجاورة وسبب هذا التحوّل المفاجئ هو تداعيات داعش فقد ظهرت للعيان كارثية غياب الدولة في رقعة جغرافية يسكنها مجتمع ضخم ويمتلك مصادر كبيرة للثروة تشجع أي مجموعة على التمركز فيها والتأثير منها على كل العالم؛ لذلك تخلت القوى الدولية الكبرى عن كل من يعرقل ظهور الدولة في العراق حتى لو كان صديقا مخلصاً او منفذاً بارعاً للأوامر، هذه الرحلة ستكون قاسية على المواطنين لأنها قد تغير انماط الحياة في العراق مجدداً وتحطم بعض ما يعتبرونه مقدسات.