من يردع هؤلاء؟!

رقم العدد: 4155 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 3/13/2018 6:42:28 PM

 معد الشمري

 أصبحت من الأمور المُسلم بها، بل ومن البديهيات المُتجذرة في أخلاقيات العمل السياسي في الغرب، أن يترُك منصبهُ من كان غير مخلصاً لعمله أو من خان ما أقسم عليه، قبل تسلُم المنصب وكذلك يتنحى من فشِلَ في تحقيق ما وعد به الناس، قبلَ انتخابه واستلامه لهذه الوظيفة أو تلك.

الوزن الحقيقي، في عين الناخب لمن اختار لتأدية خدمة عامة، هو تحقيق المرشح الانتخابي، لما وعد به وما تضمنه الحد الأدنى من برنامجه الانتخابي أو برامج القوائم والكتل والاحزاب ككل. ومن الضروري أن يكون هكذا نهج وتفكير وطريقة تعامل الناخب المثقف الواعي والعارف بحقوقه وواجابته في هذا البلد مع من أنتخبهم، رغم صعوبة المهمة في بلدٍ اختفت فيه معالم الوضوح في أغلب مناحي الحياة، وصارت الأمور غامضة معقدة ومُرتبكة ومُربكة لعتاة المحللين والمتابعين للشأن العراقي.
عندنا في العراق تبدو الصورة معكوسة تماماً؛ فالمرشح السابق للانتخابات بل وحتى المرشح الحالي، مرآته العاكسة نفسهُ ومن يحيط به؛ فهو ينظر للمحطين والمقربين، ممن يمثلون دائرته الضيقة، على أن رأيهم الأرجح وكلامهم الأصوب وأفعالهم الأقرب إلى نفسه وعقله!.
لا يَهم هنا الإجابة عن أسئلة من قبيل: كنائب سابق، ماذا قدمت للمواطن خلال فترة الأربع سنوات السابقة؟ وماهي الانجازات التي قدمتها لبلدي، والتي تجعلني أفخر بها وأمتن لنفسي وأنام مرتاح الضمير؟ وهل من الأصل أصلح، للترشح مرة أخرى في ضوء سخط الشارع وعدم الرضى عن أداء النواب الحاليين؟ أما كمشروع نائب جديد: هل أصلح أن أكون نائبا في البرلمان العتيد؟ وماهي مؤهلاتي لتحقيق هذا الغرض؟ هل سأكون تحصيل حاصل وتكملة عدد؟ ماذا سأضيف وكيف سأخدم قطاعات واسعة من المجتمع باتت تعاني الأمرين، سوء إدارة الدولة وانتهاكات لحرية المواطن وسلب لحقوقه، وسرقات تطال المال العام لا تُعد ولاتحصى، ووعود لا يمكن تنفيذها؟
هذه أسئلة من اختصاص العينة من هؤلاء النواب، فهم من يجيب وهم من يُقنع أنفسهم، بل ويُقنع الآخرين بما أرادوا وما يريدون لاحقاً، وكأنهم اللاعب والخصم والحكم في آنٍ واحد، فالصورة هنا معكوسة، وكأن المرشح هو من يحدد مصير الناخب وليس العكس!
فمن سرق يمكن أن يعود بسهولة للترشح من جديد للانتخابات دون وجود رادع يردعه أو قانون يحاسبه أو حتى ضمير يؤنبه. وحتى ذلك الذي ساهم في خراب اقتصاد البلد من خلال تزوير وتبديل العملة والمتاجرة بها، بعد أن كُشف أمره وأُحتجز وحوكم بالحبس في إحدى الدول العربية، عاد ليظهر، بلباسٍ جديد وبمظهر الحمل الوديع، من على شاشات التلفاز، ليُقنع أبناء محافظته المظلومة العائمة على بحر من البترول الخام، بأنه ضحية مؤامرة دولية على سيادة النائب "الصنديد"، ورُغم ما تقدم من قول في هذا النائب، فسيكون هنالك بالموعد من سيُعيده لنا بحلة جديدة!
هذا النائب لا يختلف كثيراً، عمن شارك في زرع الفرقة ودق أسفين الطائفية في البلد، فالأخير أيضاً قادرٌ على العودة بسهولة للعب دور جديد وتلميع صورة ملطخة بالعار! كصورة تلك القيادية صاحبة الرقم سبعة المميز، والتي تجول اليوم في المحافظات وتقطع المسافات؛ لتسوق بضاعتها البائرة من جديد وكأن شيئاً لم يكن وبراءة الأطفال في عينيها، هي بالتأكيد محسوم أمرها، وستكون في البرلمان الجديد شئنا أم أبينا!.
أما أولائك الساسة ممن أستولوا على أموال المهجرين وتركوهم في العراء يعانون قساوة برد الشتاء ولهيب حرارة الشمس الساطعة، فلا حياء عندهم ولا ضمير يردعهم ولا سلطة قادرة على وضع الأغلال في أعناقهم، بل عادوا من جديد بصور بهية ناصعة البياض وبلسان "رطب"، ليضحكوا على من أكلوا أموالهم وتركوهم لمصيرهم يعانون طيلة السنين الماضية، دون أن يكون هنالك حل لمأساتهم المستمرة.
والطامة الكبرى لا تقف عند أولئك فحسب، بل تتجاوزهم لتصل إلى من سلم ثُلث العراق إلى شذاذ الآفاق وأدخل البلاد في مشاكل إقليمية وساهم في نهب المليارات من خزينة الدولة وخلق جيلاً جديداً من حيتان الفساد، مثل هذا لا يمكن بأي حال من الأحوال إيقافه، جاء مدعوماً بمعية دولة جارة قوية يهابها من يهابا هنا في هذا البلد المستلقي على ضفاف بحر من الهموم والعذابات والجراح التي لا تندمل!
إذا لم يكن الرادع ضميرٌ ولا دستور دولة ولاسلطة قانون؛ فالنجاة بشعبٍ واعٍ مُدرك لمخاطر عودة مثل هؤلاء وعظائم المصائب التي سيُكررها الناخب بنفسهِ، وعندها يكون السيف قد سبق العذل، ولا ينفع عندها ندم النَّادِمِيْنَ ولا لوم الَّلائِمِينَ.