باليت المدى: مدينة الأشباح

اسم الكاتب: ستار كاووش رقم العدد: 4157 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 3/17/2018 8:19:23 PM

لا أؤمن بوجود الأشباح، ولا أصدق حكاياتها الغريبة، لكن مع هذا ذهبتُ لرؤيتها عن قربٍ، بعد أن تملكني الفضول وإستبدَّت بي رغبة كبيرة للإطلاع على ما سمعته عن المدينة التي يعيش فوق سطوحها أكثر من ثلاثين شبحاً. لا أتذكر بالضبط، متى فكرتُ أول مرة بزيارتها، لأني كنت في كل مرة أؤجل ذلك. ولكي أردم هذا الفضول والتشوق الممزوج بالغموض، قررت دون تردد أن يكون يومي هذا مخصصاً لهذه المدينة وأشباحها!!
وحكاية هذه الاشباح تعود للفنان (يوريس باودوين) الذي قرر أن يعمل مجموعة من التماثيل الصغيرة ( والتي أسماها الأشباح) ووضعها على سطوح بيوت مدينة (زالتبومل) في جنوب هولندا، حتى إشتهرت وذاع صيتها في كل هولندا والبلدان المجاورة، وأخذ الناس يزورون المدينة وهدفهم في الغالب هو الإطلاع على هذه الاشباح غريبة الأطوار وذات اللمسات الساحرة والساخرة. وقد خَصَّصَتْ المدينة خارطة معينة للتجوال والاطلاع على الاشباح بسهولة، واحداً تلو الآخر.
وصلت المدينة في منتصف الظهيرة بعد أن ركبت القطار القادم من شمال هولندا، حيث بانت لي الكنيسة الكبيرة التي تنتصب وسط المدينة بشكلها المخروطي ونوافذها الطويلة المزينة بالرسوم المعشقة بالرصاص، تقف شاخصة بلونها الرمادي الشاحب، تحيط بها أشجار البلوط، بلونها الأخضر الداكن، الذي تلاشى مع الخلفية الغائمة وغاب معها في الأفق. وفي المقدمة بدت البيوت القديمة بنوافذها الصغيرة وسطوحها التي يغطيها القرميد الأحمر، كإنها واحدة من لوحات فرمير.
إبتعتُ خارطة الطريق من مركز معلومات المدينة، لأتجه بعدها نحو البيوت والاشباح مخترقاً محلات بيع الزهور التي إمتزجت عطورها مع رائحة القهوة المنبعثة من مقهى الرصيف الذي لاح بمظلاته الصفراء الكبيرة في الجهة اليمنى من الشارع. كان شبح كيوبيد هو أول ما رأيت وكأنه كان ينتظرني وهو يسدد سهمه بإتجاه مدخل الشارع، بعدها بقليل ظهر شبح البجعة التي بدت وكإنها تريد أن تطير فوق السطوح. أدخل شارع الكنيسة ليظهر شبح رجل الماء وهو يترقب المارة. بعدها بقليل فاجئني شبح (خفاش الليل) وهو معلق على جدار أحد البيوت قرب السطح. وفي نهاية الشارع بان شبح (القط) بذيلة المرتفع وحركته المتوثبة وكأنه يحاول القفز من سطح الى آخر. وفي شارع الملكة ظهر شبح (الكاتب)وهو منشغل بعالمه الخاص. ليظهر بعدها شبح (حارس النهر) في الجادة التي تؤدي الى نهر الفال، الذي تغفو على ضفته المدينة. ثم استوقفني في شارع البلدية شبح (البابارازي) وهو يمسك بكامرته ويختلس النظر والتصوير. بعد قليل وفي شارع الغابة ظهر ( شبح مع دراجة هوائية) وكأنه يريد الخروج من جدران أحد البيوت ويأخذ جولة في شوارع المدينة وازقتها. أمشي خطوات قليلة لأتوقف أمام شبح (بومة مع كتاب) وقد انشغَلَتْ هذه البومة عن كل ما حولها لتعيش متعة القراءة في الفضاء المفتوح. تماثيل لأشباح لا تخطر على بال أحد، وبوضعيات مختلفة، تبدو مرة مستلقية، وأخرى جالسة أو واقفة أو حتى معلقة على مزاريب الماء. أُنهي جولتي بشبح (آكل البطاطا) الذي بدا جالساً قرب نافذة الطابق الثاني لأحد البيوت يأكل البطاطا المقلية ومسترخياً بإنتظار شروق الشمس، وهو أحدثُ شبح بين هذه التماثيل.
خرجتُ من دائرة الاشباح، لأختار مكاناً في مقهى الرصيف، بينما شبح كيوبيد كان ينظر اليَّ ويترقبني من فوق سطح البناية، مثبتاً سهمه نحوي كي لا أفشي أسرار هذه المدينة.
كانت تجربة مثيرة وزيارة ممتعة بالفعل. هنا عرفتُ أن الفن ليس له مكاناً محدداً، ولا يمكن حصره بالمتاحف فقط، ولا بالساحات التي تُوضَعُ فيها التماثيل والنُصُب الضخمة. إنه يعيش بيننا كما تعيش هذه الأشباح الصغيرة الودودة التي تحمل الكثير من الدعابة واللطف والمشاكسة.