التشكيلي رضا عبد السلام والولع الحفري البيئي

رقم العدد: 4172 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 4/14/2018 5:55:52 PM

علي النجار
في وسط تشكيلي مصري يفضل التشخيص بمدارسه المتعددة، بإحالات للمحيط المحلي، مع طغيان للإرث الفرعوني والفاطمي والقبطي، تبرز تجربة د. رضا عبد السلام من ضمن التجارب المصرية الحديثة المعروفة. وهو كأكاديمي تدريسي جمع ما بين مادتي التصميم والتصوير، وجد نفسه مشتبك وطرق الأداءات المختلفة بمقاربات حرفية صنع من كليهما وصفة (فورملة) متجانسة تفاصيلها، ليخرج علينا بالعديد من الأعمال الصورية التي تتداخل وتتصادم وتتجاور فيها موتيفات مؤطرة لا تخلو من مقاربات تكعيبية بقدر ما، لكنها لا تحسب على التكعيب في نفس الوقت. ما يرمي اليه الفنان ليس إبراز أهمية الأسلوب وتحديد علاماته أو حدوده الواضحة. بل أن يوظفه بنية كونه مونولوج، أو حكايات متشابكة تفاصيلها. كما لو كانت بعض من القصص الأدبية الافتراضية لما بعد الحداثة، مجازاً، (رغم معرفتنا بنأي ما بعد الحداثة عن الوازع الأدبي الصرف)، لذلك نراها تنأى عن موضوعة القص الصريحة، رغم إضمارها لبعض التفاصيل الموحية المبعثرة أحيانا. بالعكس من رسومه التوضيحية للصحف المصرية المعروفة التي تغلب عليها دلالات وخبايا شخوص(أبطال) موضوع المقالة أو القصة أو الحدث بوضوح ملفت.
د. رضا يبدو كما تظهره أعماله الفنية، مولع بحفرياتها الأثرية المحلية، وأحيانا الإقليمية. لما لها من سطوة تاريخية ـ زمنية محلية لا يمكن بسهوله الانفصال عن مؤثراتها بيسر، في وسط يعج بمؤثراتها الوجدانية والصورية. تقنيا هو يحفر سطح رسومه بالعمق كما الحفار الكرافيكي للحد الذي تكاد ان تكون معظم اعماله المشغولة بتقنيات ومواد مختلطة كأنها منفذة بمقاربات أعمال ورقية. فالورقة وهي الخاطرة، القصيدة، القصة، الموروث المدون والمرسوم، الورقة كخطوط بيانية وخرائط معمارية. هي أيضا بالموروث الشعبي طلسم وتعويذة صالحة أو طالحة. الورقة مادة أولية للصق كما رسومه التي تتماهي وأسلوب اللصق(الكولاج). رغم كونها غالباً مرسومة، وأحيانا بنية اللصق. إذاً هو وبنوايا محاولة توسيع المعنى والمغزى الحفري لعمله، لا يتوانى عن الصاق أية مادة أولية تخدم موضوعه المقترح. لكنني هنا أحاور منطقة الرسم بمواد الرسم لا من خارجها. فان دخلت(موتيفات) رسمته ضمن إطارات، فإنها غالبا ما تتداعى تفاصيلها وأطر عديدة. بعضها يزيح البعض، بعضها يكسر حدود البعض الآخر. بمعنى ان قلقه الإبداعي غالبا ما يتجاوز التأطير(تحديد مساحة العمل المسطح) بتفصيل واحد، ما دام يبنى ويهدم ليبني من جديد حتى لحظة انتهاء عمله الإبداعي. بهذا الفعل الحركي، هو إذا يرتهن الى العمل الذهني أداة من ضمن أدواته الأخرى.
في مدينة القاهرة وفي حي الزمالك لوحده يوجد حوالي خمس عشرة قاعة عرض تشكيلية أهلية، ما عدا بقية أحياء القاهرة المعروفة، وقاعات القطاع الحكومي ونقابة الفنون وجمعيات الفن. هذا الكم الكبير من دور العرض يشير الى سعة الحركة التشكيلية المصرية وحويتها المتمثلة بعدد الفنانين الفاعلين من الجيل القديم والأحدث حتى الشباب منهم. وإن شخصنا السمة العامة للتشكيل المصري الحديث فإننا غالبا ما نجدها توظف الجذر التاريخي الأثري (الفرعوني) بشكل خاص كسمة محلية، لغزارة تفاصيل منجز هذا الأثر المرسوم والمحفور على الصخر والمصاغ(الصياغة المعدنية) والمجسم تماثيل بأحجام مختلفة. غزارة وتنوع مجسداته التشخيصية وشساعة مناطق مرموزاتها وايحاءاتها، للحد الذي بقي هذا الإرث العريض فاعلاً لحد الآن في الوجدان المصري. إرث كهذا يمثل سمات مصر الثقافية الموروثة الأوضح ليس من الهين تجاوز تأثيراته المباشرة والمستوحاة. لذلك نجد مفعول مؤثراته واضحة في غالبية ما أنتج في مساحة التشكيل المصري منذ بدايات الاشتغالات الأولى للرواد بغزارة واضحة. مع علمنا بأن التأثير الفرعوني الأثري لم يقتصر على التشكيل المصري، بل تعداه لنتاج الكثير من الفنانين الأوروبيين الحداثيين.
د. رضا عبد السلام وهو يعوم ضمن حاضنه الفرعوني، وضمن كم الاعمال التشكيلية لحداثة من سبقوه. ارتأى ان يختط لنفسه مسارا مختلفا. فهو لم يحبذ ان تكون سمات اعماله العامة فرعونية محدثة. بل هو حاول ويحاول دوماً الاشتغال على تنويع مصادر ايحاءات أعماله من لقى الشارع والفولكلور المحلي وحفريات جدران المدينة والمدونات الأدبية والسياسية والثقافية بشكل عام. هذا الخليط الذي هو بالأساس متنافر شكلياً ومرجعياً، تحول في مختبره التشكيلي الى رسوم صبغية وملصقات وسطوح وخطوط وأشكال هندسية، جمعها في بوتقة واحدة وغير بعيد عن اعمال البوب التلسيقية الاوربية، لكن بنكهة محلية. فهو أولا وأخيرا ابن المدينة المصرية التي تمتاز بكثافة سكانية عالية، وبموروث سلوك محلي منفتح على فضاء الأخر برحابة. إذا هو، وبهذا المعنى، حاول أن يثبت بعض إحالاته الصورية لحالة اجتماعية(افتراضية) بموازاة نظائرها الواقعية. لذلك وأنت تتفحص هذه الرسوم، وبشكل خاص(حيطانه) الأخيرة، فلا تعدم أن تجد رمزاً او إشارة لحدث أو قص شعبي، أو علامة أثرية. فلا غرابة وهو الذي تمرس على الرسوم الإعلامية(الصحف) والمجلات للحد الذي باتت أحيانا تتداخل فيها ميزات هذه الرسوم مع صياغات أعماله الفنية.
منذ بداياته بالتجريب حملت أعماله ثراء لونياً بإحالات متثاقفة ووسطها المكاني، بالرغم من ارتباطها برباط فكري يحيلها لعوالم يكمل بعضها بعضا، وكأنها اعمال تجميعية للأشكال الهندسية والرموز الفرعونية، والموتيفات الشعبية، وبقايا من تذكارات وألعاب الأطفال والعلامات التجارية، يجمعها ويعيد تشكيلها، وربما ينثرها من جديد على المساحة البيضاء، خطوط، كتل، ألوان، تجربة وجدانية جديدة، تنفتح أفقيا على مئات الاحتمالات، ليختار منها الأقرب إلى عالمه وعقله بجرأته المعهودة وبما يشاءه.
أعتقد أن الفنان عبد السلام وهو ابن المدينة، وليس سواها، في كل محاولاته الإبداعية لا ينفصل عن محيطها بشكل من الأشكال. يبرز ذلك من خلال محاولته رصد اشاراتها البيئية ملامح اجتماعية سرية(لا سردية إفصاحيه)، بل مجرد إشارات رمزية، بما أن أعماله ليست واقعاً علناً ولا صوراً تذكارية فوتوغرافية. بل تراكمات لطبقات حفرية، لصور واشارات لملامح وقائع مهملة في نية أظهراها للعلن. ملامح متراكمة أو متراصة كما طبقات التربة جيولوجيا. إضافة لكونه غالبا ما يبرز أهمية اللون كرصد(سايكولوجي)، كما هو رمادياً، سواء لونا أو فضاءً(هارموني) عام في معظمه(السمة الفضائية لمدينة القاهرة). هذا لا يعني أن أعماله الفنية لا تخلو من ومضات لونية أخرى(ما دامت الملونة مفتوحة على اقتراحات لا متناهية) ربما لها دور ما في أيقاظ الذاكرة لاستعادة بعض من المخلفات التي كنا ركناها في زوايا امكنتنا القصية من الذهن.
أخيراً أعتقد إن لكتابات ومداخلات د. رضا عبد السلام النقدية التشكيلية الغزيرة والمستمرة، سواء في التأليف، أو مقالات الصحف، أو كتعليقات مباشرة من خلال حضوره المكثف في العروض التشكيلية في قاعات العروض. خلقت منه فناناً اجتماعياً مثقفاً. أغنى بسلوكه الاجتماعي المعرفي الساحة التشكيلية المصرية، بالوقت الذي زادت من حصيلة اطلاعه على نتاج مجمل الحركة التشكيلية المصرية المعاصرة، وليعزز في نفس الوقت من قدراته التنفيذية المصنعية وبما يستحصل لديه من كم الحوافز الايجابية لمواصلة مشواره بالتوافق او غالبا بالتعارض مع طبيعة منتج الكثير من زملائه الفنانين. فهو أولاً وأخيراً ذات لها تفردها الخاص أيضاً. وهذا التفرد هو سمته الخاصة التي اشتغل على وضوح علاماتها الدالة زمناً ليس بالقصير.