قناديل: أوهام الهوية

اسم الكاتب: لطفية الدليمي رقم العدد: 4182 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 4/28/2018 6:10:59 PM

 لطفية الدليمي

تبدو القصدية واضحة في إختيار عنوانٍ لأحد مُصنّفات الكاتب الراحل ( داريوش شايغان ) الذي يعُدُّ أكثر الكُتّاب الشرق - أوسطيين تناولاً وتشريحاً لأخدوعة الهوية ( الذاتية والمجتمعية ) وبكيفية شُجاعة تنمّ عن جسارة فكرية يصعب توفّرها في مثل هذه البيئات الثقافية ؛ غير أنني برغم ذلك لستُ أعتزم جعل هذه المقالة تقريضاً أو تعقيباً على عمل ( شايغان ) لأنّ الكثير كُتِب فيه ، وكلّ ماأريده هو الإنطلاق من موضوعة ( شايغان ) للتعليق على مفهوم ( الهوية ) برؤية ثقافية خالصة بعيداً عن نسق تحديث الرؤية الدينية والحضارية - ذلك النسق الذي جعله ( شايغان ) حجر الزاوية في أعماله العديدة .
يعود أصل مفهوم الهوية إلى عصر التنوير الأوروبي وبواكير إنطلاق الثورة العلمية ؛ إذ كان الناس قبل ذلك العصر محض حشود بشرية مكتفية بإدامة متطلّبات وجودها البيولوجي اليومي في ظلّ سيادة قناعة بأنّ الحياة الأخروية هي أجدى وأبقى ، ثمّ جاء عصر التنوير فحطّم هذه القناعات الراسخة وأعلى شأن العقلانية والرؤية العلمية وكل مايعزز التمكين العقلي والمفاهيمي للفرد والتأكيد على العمل المنظّم والمنضبط والمجتهد والذي يقود المرء إلى فرض بصمته الشخصية المميزة والمتفرّدة في هذه الحياة من جهة ، وإلى تعزيز تمكينه الإقتصادي - بالمقارنة مع الآخرين - من جهة أخرى ، ثمّ توالت الثورات السياسيّة والعلمية والتقنية التي عملت على تعزيز هذه الثنائية المتلازمة : ثنائية الهوية الذاتية والتمكين الإقتصادي والمجتمعي .
حتى منتصف القرن التاسع عشر كان تعزيز الشعور بالهوية الذاتية عاملاً إيجابياً مطلوباً ترسيخه باعتباره دافعاً للنشاط الفردي المنتج ، وكذلك لكونه ترياقاً مضاداً للغيبيات اللاهوتية التي تقايضُ هوية الفرد المميزة بهوية جمعية ثيولوجية أخروية لاملامح لها سوى التبشير بوعد خلاصي مؤجّل ، ثمّ حصل تطوّر مفصليّ في منتصف القرن التاسع عشر عندما إنبثق مفهوم ( الأمة - الدولة ) الذي شكّل الإطار النسقيّ لتأسيس الدولة الحديثة ، وقد تطلّب هذا المفهوم المستحدث شكلاً من المادة اللاحمة القادرة على صهر الهويات الذاتية الفرعية في أتون نسق سياسي - فكري جديد هو الدولة ؛ فشهدنا مفهوماً ميتافيزيقياً مثل ( روح العصر ZeitGeist ) - على سبيل المثال - لجأ إليه بسمارك لتحقيق الإتحاد الألماني ، وبالمثل كان ثمّة حاجة مسيسة لكلّ الدول في اللجوء إلى إصطناع مفاهيم شبيهة بمفهوم ( روح العصر ) ، ويمكن بمساعدة هذه المقاربة تفهّم الأسباب التي قادت لنشأة وشيوع كثير من المفاهيم في بيئتنا العربية ، ومن بينها مفهوم ( القومية العربية ) الذي أريد له أن يكون هوية جمعية قسرية تتصادى مع مفهوم ( روح العصر ) الألماني النشأة .
قادت مفاعيل الحرب الباردة وماتلاها من تداعيات خطيرة على المستويين الفردي والجمعي إلى جملةٍ من الرؤى الجديدة للوضع البشري ، وكان في مقدّمة تلك الرؤى أنّ إعتلالاً خطيراً أصاب مفهوم الهوية ( الذاتية والجمعية ) وجعله يتضخّم ويبلغ مستويات سرطانية ، وبات لازماً مغادرة هذا المفهوم والتعويض عنه بمفهوم براغماتيّ تتوازن فيه الحاجات الفردية مع الحاجات البشرية الجمعية في سياق نسق تشاركي يتجاوز محدوديات كلّ من الفرد والدولة .
إنّ العصر القادم هو عصر اللاهوية - بالتأكيد - باستثناء عناصر الهوية المعزّزة للمشتركات الإنسانية ، وسيكون في عداد العماء الثقافي تغليب الآيديولوجيا قسرياً على واقعٍ كارثيّ بدلاً من مواجهته بوسائل براغماتية هادئة تغلّب بقاء البشرية واستمراريتها على الجري وراء سراب الرثاثة الآيديولوجية.