باليت المدى: الفرشاة الناعمة

اسم الكاتب: ستار كاووش رقم العدد: 4182 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 4/28/2018 6:23:17 PM

 ستار كاووش

إحتفظوا بالميداليات، ولأحتفظ أنا بإسلوبي في الرسم، هذه الكلمات أصبحت شهيرة في تاريخ الفن وتم اقتباسها كثيراً من قبل النقاد والمؤرخين. وهي تعود للرسام البجيكي الفريد ستيفنس، الذي إمتنعت أكاديمية باريس وصالون الفن من أعطائه ميدالية الشرف، ورغم إعجاب اللجنة الفنية بقدراته الفنية الفائقة لكنهم إعترضوا على الموضوع والتقنية المختلفة التي رسم بها لوحته (العزاء) التي عرضها في معرض باريس ورسم فيها أمرأة تنتحب وعلى جانبيها إمرأتان تواسيانها، بأجواء حزينة رغم الخلفية والستائر المزخرفة. ومع إن وفداً دبلوماسياً من الأكاديمية قد زاره في مرسمه لإبلاغه بذلك، فهو لم يتوانَ من قول تلك الكلمة الشهيرة.
في زيارتي لمدينة خنت البلجيكية، تنقلت بين الكثير من أعماله في متحف ستيدلك، مشيت مع حركة فرشاته ونعومة نسائه المترفات، بطيات ملابسهن المزخرفة والتفاصيل الممتعة التي ملأت المكان. تنقلت لأقف أمام لوحة تبدو غريبة ومختلفة عن باقي اللوحات، إنها (مريم المجدلية) التي رسمها بوجه غامض وشعر أشقر أخذ نصف مساحة اللوحة. هي تنظر بإتجاه الرسام لكنها لا تبحث عن شيء بين زوايا المرسم، بل تذهب نظراتها عميقاً، وكأنها تنظر بعيداً نحو المجهول، وهي تضع في حجرها جمجمة، حتى بدت كمن يبحث عن مصير الانسان بعد الموت حتى وإن كان هذا الأنسان مقدساً. لوحة في غاية الرهافة والرمزية والتأثير، وقد إختار هنا موديل الفتاة بعناية كبيرة، حيث جلست الممثلة الشهيرة سارة برنارد لتتمثل شخصية (مريم)، سارة التي ربطته بها علاقة عاطفية كبيرة، كشفتها فيما بعد الرسائل الغرامية الملتهبة بين الأثنين.
يضع مؤرخو الفن ستيفنس في منطقة بين كوربيه ومانيه، وليس مصادفة أن يرسم له كوربيه بورتريتاً عظيماً، كذلك إرتباطه بصداقة متينة مع مانيه أثناء لقاءاتهما في مقهى غوربو، هناك حيث بدأت إجتماعات الانطباعيين الشباب. وقد حَثَّ ستيفنس وقتها بعض تجار الفن على اقتناء أعمال مانيه وبعض الانطباعيين.
إضافة الى موهبته الفريدة، كان هذا الفنان شخصاً ودوداً وذكياً ويحمل روح الدعابة والمرح، تحيطه حياة فاخرة، حيث جمع صحبة صديقه الروائي أميل زولا، التحف والأكسسوارات اليابانية العصرية، حيث أدخَلَ في لوحاته لباس الكيمونو والمظلات والمراوح وفواصل الغرف المزخرفة. ان كان هناك تصنيف لهذا الرسام، فهو رسام المشاهد اليومية والحياتية بأمتياز، حيث مشاهد البيوت من الداخل الغرف والمطابخ، الفنادق الصغيرة، الأسواق، وتمثيل شخصيات غير معروفة أو عابرة أثناء العمل. وقد إهتم في لوحاته بالتصميم الداخلي للبيوت، وتخللت مواضيع ومناخات لوحاته اجواء الرومانسية والمكائد ورسائل الحب والأخبار الملفقة، الفقر والغنى والموديلات الجميلة داخل المرسم، كذلك الحياة الأجتماعية للناس الأثرياء. وبعض لوحاته تحمل رسالة إجتماعية يحاول إيصالها من خلال وضعية الشخصيات، كما في لوحته التي أثارت اللغط ولفتت إنتباه نابليون الثالث، والتي تظهر فيها قوات الشرطة وهي تقبض على إمرأة مشردة مع أطفالها، ودفع ذلك الحكومة لمراجعة الطريقة التي تتعامل بها الشرطة مع الناس، وهنا كان الرسام يبغي تشويه صورة الشرطة وليس لإظهار تعاطفه مع الفقراء فقط، وقد نجح في ذلك.
حصل ستيفنس في حياته على اعتراف كبير بفنه وتأثيره، وإمتد تأثير أعماله بعد وفاته من أوروبا الى امريكا ومناطق عديدة من العالم. لكن رغم ذلك عانى الكثير من المحن في سنواته الأخيرة، حيث سقط وهو يعلق إحدى لوحاته، وأصيب بكسر لم يشف منه أبداً، ولم يقوَ بعدها على الرسم، بعد أن تركته زوجته وأولاده وهو حبيس الكرسي المتحرك، لينتهي الأمر بأن يجلب له الجيران بين وقت وآخر طبقاً من الحساء يسد به رمقه، هو الذي حصل قبلها على أرفع الميداليات واهم الجوائز. لكن رغم كل ذلك، ما زالت لوحاته المليئة بالعذوبة حاضرة، لوحاته التي اقف واتمتع بها الآن كما يتمتع بها ملايين الناس في عشرات المتاحف في العالم.