لمناسبة مرور 200 عام على ميلاده..العالم يستذكر الإرث العظيم لكارل ماركس

رقم العدد: 4186 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 5/5/2018 6:02:30 PM

ترجمة: أحمد الزبيدي

تمر هذه الأيام الذكرى الـ 200 عام على ميلاد كارل ماركس والذي يُعد من أعظم المفكّرين في العالم، ولاغرو إن عُدَّ ماركس الشخصية الأولى في الألفية الثانية."المدى" تقدّم هذه الصفحة تحيةً لذكرى رجل عظيم لايزال تأثيره كبيراً في البشرية.
يحتفل العالم بالذكرى المئوية الثانية لميلاد كارل ماركس، المؤلف المشارك للبيان الشيوعي - الكتاب المقدس للثوريين في القرن العشرين في جميع أنحاء العالم. وقد أصبحت إيديولوجية الماركسية اللينينية عقيدة الدولة السوفيتية والصينية بزعامة ماو تسي تونغ في عام 1949 وكوبا بزعامة فيديل كاسترو بعد عقد من الزمان.

بيد أن هذا كلّه يبدو وكأنه من التاريخ القديم. فالأحداث التي جرت ما بين عامي 1989-91 أدت الى انهيار الاتحاد السوفيتي نفسه،. وعامي 2017- 2018 يقدّمان قاعدة ينطلق منها المرء للتفكير في تركة ماركس ولينين. هل ينبغي أن يتذكر ماركس ليس كمنظّر للثورة، ولكن كمحلّل مبكر للرأسمالية العالمية، التي تُعد تكاليفها وفوائدها من الشواغل الخاصة بـ(برومبيت)"عصر بريكسيت وترامب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وانتخاب ترامب رئيساً للولايات المتحدة؟ وهل اصبحت أفكار ماركس بخصوص المعضلة التي واجهها - حول التطور الرأسمالي والثورة السياسية – هي المهيمنة على الدولة السوفيتية وبوتين أيضاً؟
ولد كارل ماركس في مدينة ترير الألمانية في 5 أيار 1818، وهو ابن محام. قضى ماركس، أعوام 1840 وهو طالب في بون وبرلين، وهو يناضل ضدَّ"الدولة المسيحية"البروسية كصحافي ومحرّض، حتى اضطر إلى الفرار إلى لندن بعد الثورات الأوروبية الفاشلة 1848-1849.
وكان البيان الشيوعي، الذي كتبه ماركس في كانون الثاني 1848، يمثّل جوهره الفكري لهذه المرحلة في حياته. على الرغم من أن أولئك الذين أطلق عليهم اسم"الرجعيين"ما زالت أشباحهم تطارد عام 1789، الذي"ألغى الممتلكات الإقطاعية"، فإن المجتمع البرجوازي أثبت أنه اكثر ثورية من النظام القديم بسبب ديناميتة المتأصلة"في ثورة الإنتاج".
ووصف البيان شهية الرأسمالية الشرهة لـ"السوق المتوسع باستمرار لمنتجاتها"لينتشر"على كامل سطح الكرة الأرضية". وهذا"الاستغلال للسوق العالمية"أعطى"طابعاً عالمياً للإنتاج والاستهلاك في كل بلد"وزلزل الأرض"من تحت أقدام الصناعة الوطنية". وفي الواقع، أعلن ماركس أن"البرجوازية، خلال حكمها النادر منذ مئة عام، قد أوجدت قوى إنتاجية ضخمة بشكل هائل وأكبر من كل الأجيال السابقة". في الواقع، كان ماركس يتحدث عن العولمة، ووصفها بأنها ظاهرة ثورية.
أما في المنفى في لندن، فقد واصل التفكير في فرص الثورة السياسية في سياق هذا المجتمع البرجوازي الديناميكي المعولم. وفي حين كان يكسب العيش من عمله غير المستقر في الصحافة، كان يقول إنه يعمل بشكل ملائم على مؤلفه الكبير حول الرأسمالية. ظهر المجلد الأول من رأس المال أخيراً في عام 1867 خلال عقد من التجدد السياسي المتجدد، الذي أضاءته الثورات الوطنية في إيطاليا (ناجحة) وبولندا (المجهضة) وتحويل أبراهام لنكولن"الحرب بين الدول"إلى صراع لإنهاء العبودية.
وكان الجزء الأول واسع النطاق ومتنوعاً بشكل كبير. وقد وضع ماركس فيه نظرياته حول السلع والمال، وسعى إلى شرح كيفية استخلاص"فائض القيمة"من العامل من خلال القيمة المضافة إلى عملية الإنتاج التي تزيد عن أجره، وهي الأرباح التي يحولها المالك إلى رأسمال. وفي جزء كبير من الكتاب تم تقديم تحليل نظري مفصّل للعلاقات بين رأس المال والعمل، ولكن بعض فقراته كشفت حالة الاغتراب المروّع التي يعيشها العامل في النظام الرأسمالي".
جمعت كارل ماركس علاقة صداقة قوية مع فريدريك إنجلز وأصبح عمل حياة الصديقين عملاً مشتركاً.
ولد إنجلز عام 1820 في بارمن وهي مدينة من إقليم ريناني تابع لمملكة بروسيا. وكان والده صاحب مصنع. وفي 1838 اضطر انجلز لأسباب عائلية و قبل أن ينهي دراسته الثانوية لأن يعمل مستخدماً في مؤسسة تجارية في مدينة بريمن. ولكن الأعمال التجارية لم تمنع انجلز قط من العمل على تثقيف نفسه علمياً وسياسياً. فمنذ أن كان في المدرسة الثانوية حقد على الاوتوقراطية وعلى تعسف الدواوينية (البيروقراطية). وقد دفعته دراساته الفلسفية الى أبعد من ذلك. فقد كان مذهب هيغل في ذلك الحين مسيطراً على الفلسفة الألمانية وأصبح انجلز من اتباعه. و مع أن هيغل نفسه كان معجباً بالدولة البروسية الاتوقراطية التي كان يخدمها بوصفه أستاذاً في جامعة برلين، فقد كان مذهبه مع ذلك ثورياً،"إنجلز كان أول ماركسي، كما لاحظ المنظّر السياسي تيريل كارفر، وكان له تأثير محدد في الماركسية". عندما توفي إنجلز نفسه في عام 1895، نعاهُ لينين، في مقال لينين أكد أنه وماركس معاً"كانا صديقين"“كرّسا حياتهما لقضية مشتركة، وكان يعتبرهما داعمين للثورة الروسية التي كان يتوقعها لينين بكل ثقة.
***
من هنا قد يبدو سهلاً تبيان تأثير أفكار ماركس وإنجلز في الثورة الروسية في عام 1917، ولكن في الواقع قبل ذلك، هناك الكثير من التساؤلات المطلوب الإجابة عنها: لماذا لم يكمل مؤلف رأس المال إنجازه الأعظم؟ يعزى ذلك تقليدياً إلى ضغوط العمل الصحفي وتدهور الصحة. لكن جاريث ستيدمان جونز، مؤلف سيرة ماركس، يجادل بأن التأخير يعكس أيضاً الشكوك الفكرية الكامنة. وبحلول ستينيات القرن التاسع عشر، جاء ماركس ليشهد ثورة"عملية"أكثر منها"كحدث"، أي أقل من لحظة"مسرحية"، مثل سقوط الباستيل، وأكثر ما يصفه ستدمان جونز"بالتصديق السياسي على التغييرات التي كانت قد حدثت بالفعل أو حدثت بالفعل في المجتمع المدني". من هذا المنظور، قلق ماركس حول ما إذا كان قد رسم نظرية عالمية، لماذا لم يكمل مؤلف داس كابيتال عظمته الكبرى؟ ويعزى ذلك تقليدياً إلى ضغوط العمل الصحفي وتدهور الصحة.
والأسوأ من ذلك بالنسبة لماركس، بعد إحياء لحظة ثورة 1860، والتعافي من الأزمة المالية لعام 1873، حيث أثارت مرونة الرأسمالية العالمية تساؤلات مقلقة حول ما إذا كان انهيارها لن يأتي إلاّ من بعض التناقضات الهيكلية الكبرى التي لم يتم تشخيصها بعد. كان ماركس يتبنّى فكرة أن معدل الربح المتناقص عندما يصل الاقتصاد العالمي إلى حدوده النهائية قد يؤدي إلى زوال الرأسمالية، لكنه لم ينجح في جمع مساعيه المجزأة. ما أصبح يعرف باسم زوسامنبروشثهوري (نظرية الانهيار) التي كانت من نتاج الاقتصاديين الماركسيين في وقت لاحق.
بداية الحرب العالمية الأولى في عام 1914 فتحت لفترة وجيزة نافذة أمل للثوريين. ولكن الحادث الكبير لم يحدث. تمكنت السلطات من الحفاظ على صراعها الانتحاري على ما يبدو، على الرغم من التكاليف المالية الضخمة والخسائر البشرية المروّعة. ومرة أخرى، يبدو أن الرأسمالية تظهر قدرتها على التكيّف.
كان لينين هو الذي عرض طريقاً للثورة من خلال نقاشه الفكري،.وفي كتابه الإمبريالية: أعلى مراحل الرأسمالية، جادل لينين بأن العالم قد تغيّر عن أيام ماركس، وبالتالي يجب تغيير النظرية الاشتراكية. وما أسماه"الرأسمالية المتأخرة"هو الرأسمالية الاحتكارية، وليس السوق الحرة. كما أنها لم تكن سلمية، ولكنها مقيّدة في كفاح مسلح بين الحياة أو الموت. ويمكن للاشتراكيين استغلال الفوضى لإحداث التغيير الثوري حتى في البلدان غير الناضجة، من خلال التحليل الأصلي لماركس، للثورة البروليتارية.
نجح البلاشفة في ثورتهم في تشرين الأول/ اكتوبر 1917 وأقاموا أول دولة اشتراكية في العالم ومرت البلاد السوفيتية بأحداث شتى حتى انهيارها عام 1991، ما زال صدى أفكار ماركس يتردد في الغرب. وبعد أزمة 2008 وصدمة برومبيت،(عصر بريكسيت وترامب وخروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي وانتخاب ترامب رئيساً للولايات المتحدة) لا يمكننا تجاهل القدرة الرأسمالية ذات الحدين أي تحقيق الازدهار الاقتصادي على حساب الاغتراب البشري.
ومن غير المرجّح أن يقرأ رأس المال على نطاق واسع في زمن التويتر. ومع ذلك، وفي بعض جوانبها الأساسية تستمر المعضلة التي واجهت ماركس حتى يومنا هذا، بعد قرن من الثورة البلشفية، وبعد قرنين من ولادته، وعلى عتبة ثورة الروبوتات.
من ناحية: هناك الإمكانية الهائلة للرأسمالية العالمية في خلق الثروة. ومن ناحية أخرى: تلك الملامح المؤرقة حول كيفية اغتراب وتشويه العامل وحصره في نشاط مجتزأ وجعله يجرجر زوجته وأطفاله تحت عجلات طاغوت الرأسمالية الذي لا يرحم.

عن: نيوستايتسمان