«المدى» في مهرجان «كان» السينمائي الدولي الـ 71: حبٌ قديم ولُغز اختطاف في افتتاح الدورة الـ 71 في أجواء تأهبٍ وحذر كبيرين

رقم العدد: 4191 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 5/13/2018 5:49:14 PM

 كان: عرفان رشيد 

أجواءُ توتُّر عالية، حذِر وتأهب. كلّ ذلك واضح في فضاء مهرجان « كان » قُبيل افتتاح الدورة الحادية والسبعين للمهرجان السينمائي الأكبر في العالم، فأشباح الاعتداءات الإرهابية التي وقعت في مدينة نيس (على بعد أربعين كيلومتراً من مدينة المهرحان) في 14 تمّوز 2014 ما تزال ماثلة في الأذهان، وقد برز التوتّر والحيطة والحذر بشكل واضح الإجراءات الأمنية المتشدّدة للغاية والتي تُعطَّل في الغالب حركة الناس ودخول الصحفيين والمتفرجين الى قاعات العروض. وقد رُتّبت أجهزة الكشف الالكتروني، للمرة الاولى، خارج المداخل الرئيسة لصالات المهرجان، وتم نشر فصيل مختار من عساكر مكافحة الاٍرهاب " ذوي الرؤوس الجلدية“ على امتداد شارع الكروازيت والشوارع المؤدية إليه. ومنعت الشرطة دخول أيّة شاحنة إلى المدينة دون امتلاك ترخيص خاص، وصرّح مدير شرطة المرور في المدينة إيف دارّوس لمجلة هوليوود ريـپـورتر قوله " نريد أن نتعرّف على الهوية المتكاملة لسائق الشاحنة، وعلى المكان الذي يتوجه إليه وما يحمله داخل تلك الشاحنة من حمولة"، ولمن ذكّره بأنّ شارع الكروازيت أصبح منطقة شبيهة بأجواء برنامج " الأخ الأكبر" حيث يتعرض كل سينتيمتر من مساحته الى مراقبة الكاميرات، أجاب المسؤول الأمني الفرنسي الكبير قوله " ذلك صحيح، لكن ليس كلّ ما أُنجز حتى الآن كافياً".
ولم تقتصر التغييرات على الإجراءات الأمنية فحسب، بل طال جدول العروض، الذي كان سارياً منذ عقود تغييرات كبيرة، لكن ليس لاشتراطات أمنية، بل للحيلولة درن تسرّب معلومات أو نقود سطحية ومتسرّعة عن الأفلام على وسائل التواصل الجماهيري، والتي غالباً ما تستبق تلميحاتها ما يكتبه النقاد المعتمدون من نقد جاد وقراءات وافية للأفلام المعروضة في مسابقات وبرامج المهرجان، وقد عاني الكثير من هذه الأفلام في السنوات الأخيرة من انتشار الآراء المتسرعة والسطحية على وسائل الاتصال مثل «تويتر» و «فيس بوك» وغيرهما.
وقد عمدت إدارة المهرجان الى هذه السياسة الجديدة استجابة الى طلبات موزّعي الأفلام في فرنسا وأوروبا والولايات المتحدة. الذين أبرزت استقصاءاتهم أضراراً كبيرة تعرض اليها شباك تذاكر العديد الافلام المهرجانية.

أصغر فرهادي، تأرجح ما بين أجواء آلمودوڤار وآلفريد هيتشكوك
وافتُتحت عروض المسابقة الرسمية في المهرجان بشريط الاوسكاري الايراني أصغر فرهادي « الجميع يعلمون »، والذي أدّى بطولته الثنائي السينمائي الإسباني الأشهر، پينيلوپي كرويز وخافيير بارديم إلى جانب عدد من نحوم اسبانيا الكبار. وبالفعل حقق فرهادي عمله (غير الإيراني الأول) بالكامل في اسبانيا وتدور أحداثه في مزرعة للكروم في ريف الجنوب الإسباني، وحيث تعود اليها لاورا، برقة ولديها، من بوينيس آيريس للاشتراك في حفل عرس شقيقتها.
إذا كان عمل فرهادي السابق "الزبون" مستوحى من النص المسرحي «موت بائع جوال » للكاتب الأميركي آرثر ميللر، فان شريطه الأخير « الجميع يعلمون» يبدو شبيهاً بشريط آلفريد هيتشكوك «المرأة التي عاشت مرّتين ». ينطلق الفيلم) من بداياته وحتى حدود الدقيقة العشرين) بإشادة بأجواء سينما پيدرو آلمودوڤار بكل صخب نسائه وحيويتّهن المُعبّر عنهما بتفاصيل يومية كثيرة، ينقلب بعد ذلك إلى ما يُشبه شريط لآلفريد هيتشكوك، محوّلاً حيوية وسرعة الحوارات والحركة، إلى سكون يتسيّد عليه صمتٌ وهمسٌ شاملين في أداء وأصوات الممثلين، باستثناء صرخات لاورا الباحثة عن ابنتها المخطوفة. يُمسي الفيلم بعد اكتشاف حادث الاختطاف إلى عمل بوليسي يتمحور فيه الحدث على تحديد هوية الخاطف (أو العصابة) الذي يقف وراء عملية اختفاء الفتاة المراهقة والظروف الغامضة التي اكتنفتها. ومع ثبات الجُرم وبتغيّر المسببات، ينتقل أصبع الاتِّهام ما بين شخصيات الفيلم، ليكشف فرهادي، عبر ذلك التنقّل، عن تفاصيل وخبايا العلاقات ما بين سكّان هذه البلدة الصغيرة، بكلّ ما يكتنفها من قصص الحبّ والتنافس والكراهية والأحقاد.
تبدأ أحداث الفيلم بوصول لاورا (پينيلوپي كروز) وولديها الى البلدة الاسبانية لحضور حفل زفاف شقيقتها. لاورا تعيش مع ولديها في بوينوس آيريس برفقة زوجها آليخاندرو (يؤدّيه ريكاردو دارين).
لاورا وصلت الى البلدة دون زوجها، ويكون حفل الزفاف فرصة لها للقاء أفراد عائلتها، وأصدقائها القدامى وحبيبها السابق "پاخو" (يؤدّيه خافيير بارديم)، المتزوج من امرأة أخرى ويدير مزرعة للكروم ويُنتج نبيذاً جيّداً.
إلاّ الفيلم لم يأتِ بجودة النبيذ الذي يروّج له (پاخو) في منتصف الفيلم، وربّما كان على فرهادي أن يبذل وقتاً أطول لاختمار الفيلم، كما يختمر النبيذ الجيّد في الدنان، إذا ما مُنح الوقت الكافي واللازم. لقد افتقد فرهادي في هذا الفيلم خصوصيته المُميّزة في قدرته الرائعة على قصّ الحكاية الإيرانية، لذا جاء العمل دون أيّ تميّز.
كثير من مخرجي العالم الثالث وأوروبا جرّبوا هجر فضاءاتهم الحيوية للابداع وبحثوا عن فضاءات جديدة. أضاع الكثيرون البوصلة، فيما عاد البعض إلى أصوله مستعيداً أصالته.