باليت المدى: صانعة الغليون

اسم الكاتب: ستار كاووش رقم العدد: 4195 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 5/19/2018 6:00:24 PM

 ستار كاووش

أمسكت زوجتي بذراعي متسائلة، وأنا أمدُّ رأسي بذهول نحو واجهة المتجر المليئة بغلايين التبغ المختلفة والجميلة. ورغم سؤالها عن سبب وقوفي ساهماً هكذا، ظلَّتْ عيناي مثبتة نحو غليون واحد، كبير الحجم وغريب الشكل، كان يبدو مفلطحاً وعلى حافات فتحته المستديرة، نتوءات وحزوز غريبة ومتداخلة، لكنها متقنة الصنع. لقد إستوقفني بسبب جمال وغرابة هيئته، وإزداد فضولي أكثر وإقتربت منه، بعد أن لمحتُ ثمنه المرتفع بشكل خيالي ومبالغ به، والمكتوب على الكارت الصغير المثبت بجانبه.
دفعت باب المتجر برفق ودخلت متسائلاً، بعد حييت البائعة، هل هذا الغليون من صنع آنّا جولي؟ فأجابتني بنعم وهي تنقل نظراتها بيني وبين الغليون، وعلامات السرور الممزوج بالدهشة بادية عليها، مع إبتسامة شغلت نصف فمها الأيسر. تَحَسَّستُ الغليون بيدي، بعد أن إستأذنتها بذلك، وتحدثت معها حول تصميمه الغريب والمثير وشكله النادر، ثم أخبرتها عن تصاميم اخرى لنفس الفنانة، شاهدتها من قبل.
إمتد الموضوع مع زوجتي الى خارج المحل، حيث سحبنا كرسيين وجلسنا تحت مظلة كبيرة في مقهى الرصيف. وكان موضوع حديثنا بالتأكيد، حول الدنماركية آنّا جولي التي تعتبر أشهر وأهم مصممة وصانعة غلايين في العالم، هذه الفنانة التي تجوب الدول غرباً وشرقاً وهي تعرض تصاميمها الغريبة وأفكارها المجنونة التي تنعكس على سطوح وأشكال غلايينها. لا تتوانى آنّا جولي عن إختراع أشكال وحجوم وألوان لغلايينها الفريدة من نوعها، وهي تقضي أغلب ساعات يومها في مشغلها بمدينة كوبنهاغن، هذا المشغل الصغير والمزدحم بأدوات الثقب والحك والحفر والسكاكين الصغيرة، إضافة الى قطع الأخشاب النادرة، المتناثرة في كل الزوايا. تجلس هناك كل يوم لتصنع أشياء تستهوي الناس في اليابان والصين وأمريكا وكل أوروبا.
غيَّرَت جولي شكل الغليون ليصبح عملاً فنياً مصنوعاً باليد ويحمل مواصفات الندرة والجودة والشكل الذي لا يخطر على بال أحد. فالغليون يتحول على يديها من قطعة خشب ربما تكون مهملة، الى عمل فني يسحر كل من يراه ويطلع عليه. الإبتكار هو ان يحول الفنان المواد الخام التي بين يديه الى عمل فني فيه الكثير من السحر والمتعة والخيال، وهذا ماتقوم به هذه الفنانة التي تقدم أعمالها بطريقة تفوق الخيال نفسه، فتقدم غليونها مرة في طوكيو كونه غيمة، بينما تظهره لنا في بكين بهيئة فراشة، تعرض في أحد المعارض غليون نادر على شكل ملاك، وفي جهة أخرى من العالم تفترش غليوناتها إحدى الواجهات المختصة بذلك، وقد أخذت شكل الكعك. لكل متذوق لأعمالها شكل مناسب يجذبه اكثر من غيره، فهي حين قدمت لمدير إحدى دور الأزياء غليوناً على شكل ساق إمرأة، نالت إعجاب وتصفيق الجميع، مثلما انبهر الحاضرون في مناسبة اخرى وهم يراقبون أصابعها التي أخرجت من علبة جميلة غليوناً بشكل تفاحة.
وتقول جوليا حول ذلك، إن الغليون يعكس شخصية من يدخنه، هي التي تعلمت هذه الصناعة من زوجها الذي كان ماهراً، لكنه يميل اكثر لصناعة الغليون التقليدي، وبعد وفاته قررت ان تستلم الورشة وتمضي مع هذه المهنة التي يمارسها الرجال في الغالب، دفعت خيالها الى أبعد حد، لتصل الى كل العالم.
إنها ليست صانعة غلايين تقليدية، بل هي تقرأ مكعب الخشب قبل تقطيعه وحفره، تنظر وتتأمل العروق التي تتماهى داخل بنية الخشب، لتتصرف بها بعد ذلك وتوظفها بمهارة قلَّ نظيرها، بعد أن تضيف لها قطع معدنية صغيرة وثمينة هنا، أو أجزاء من عظام هناك، أو حتى بعض الاحجار النادرة. لتفاجئنا في النهاية بغليون ذات نهاية دائرية أو مكعبة أو مائلة. يأخذ شكل رأس كائن خرافي أو وردة.
وأنا منغمس بعالم جوليا الطريف، نظرتُ الى قدح الكابتشينو الذي أمامي وتخيلته واحداًمن غلايينها الغريبة. إنتبهت زوجتي لذلك فسألتني، هل ستعود للتدخين بعد كل هذه التفاصيل؟ وعدتها أن لا أعود، لكني مازلت أحاول!