« عائلة السُرّاق » تخطف سعفة كان الذهبية باقتناع جميع من حضروا المهرجان

رقم العدد: 4199 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 5/23/2018 6:18:52 PM

كان: عرفان رشيد
الصورة التي اصطفاها المخرج الياباني كوري - إيدا هيروكازو لغلاف الكُتيّب الصحفي المرافق لفيلمه « عائلة السرّاق » تضم الشخصيات الرئيسية الست لفيلمه، وليست هذه الصورة لقطة من الفيلم، بل هي التُقطت للتعريف بهذه الشخصيات وابتسامة فرح هادئة تعلو وجوههم، كما لو أنّهم أفراد عائلة سعيدة سكن الفرح كوخهم الضيّق البائس في حديقة تقع في قعر عمارة سكنية في مكانٍ ما من مدينة يابانيّة.
وحالة الفرج البهيج الظاهرة في الصورة هي ما يؤكّد هيروكازو على إنّها ستتحقّق إذا ما تواجد بين أفراد العائلة حب حميم وآصرة حقيقية تذهب أبعد من آصرة الدم، وإذا ما كان تواجد هؤلاء الأشخاص مع بعضهم تحت سقف واحد خياراً شخصياً بوعيٍ أو دونه، وليس نتاجاً لصدفة الميلاد في هذه العائلة أو تلك.

وحين تسقط السن اللبنيّة الأولى لأصغر أفراد العائلة، الطفلة «هوجو جوري - وتؤديها ساساكي ميو »، يرميها أخوها « شيبيتا شوتا - يؤدّيه الصبي جيو كايري »، على سقف المنزل تيمّناً بأخته وبالمكان الذي يضمّهما تحت سقفه.
تتألّف المجموعة من الجدّة « شيباتا هاتسوي - تؤدّيها كيكي كيلاني »، وابنها « شيباتا أُوسامو »، وابنته « شيباتا آكي - تؤديها ماتسووكا مايو، ورفيقته « شيباتا نوبويا - تؤدّيها آندو ساكورا »، وحفيدي الجدّة، شوتا و آكي، اللذين يناديانها بهذ اللقب، لكنّهما لم يلفظا بعدُ بكلمتي « بابا » أو « ماما».
لكن هل هذه المجموعة البشرية عائلة بالفعل تكوّنت برباط الدم وبتراتب الأجيال؟ وهل حقاً أن كلاً منهم هو نفس الشخص بالاسم الذي يُنادى به؟
لا تأكيد هنا ولا جواب بالمطلق على هذا السؤال، لأنّنا سنكتشف، بتتابع الأحداث، أن لا أحد من المجموعة هو نفسه، وربّما كانت حتى عميدة العائلة نفسها، تحمل اسماً آخر. ليس ذلك انتحالاً لأسماء آخرين أو رغبة في التخفّي، بل تبدو الكُنية الجديدة التي يصطفيها كلٌّ منهم لنفسه، أو تُمنح له من قبل الكبار، مثل انتماء إلى عالم جديد وإلى مجتمع جديد مُغاير للمكان والزمان الذي جاءت منه الشخصية. إنّها هويّة جديدة يبلغها الفرد اختياراً ويرفض الابتعاد منها أو الانسلاخ منها أيّاً كالنت الظروف.
وبالأضافة إلى ولعه وحبّه الكبير برواية حكايات الأواصر البشرية، انطلاقاً من الأواصر في العائلة، وبعد انعطافة غيرُ موفّقة بالكامل في العام الماضي بفيلمه البوليسي « جريمة القتل الثالثة »، يعود كوري - إيدا هيروكازو إلى موضوعة العائلة، مغزاها وضوابطها وعلاقة الفرد بالعائلة، فبعد أن سار على خُطى بيرتولد بريشت في (الإنسان الطيّب في ستسوان)، وآرثر ميللر في (كلّهم أبنائي) وإدواردو دي فيلّيبو في (فيلومينا مارتورانو)، أنجز هيروكازو عمله الجميل « الولد على سرّ إبيه - 2013 » وناقش به مسألة الأبوّة والأمومة، ولمن ينبغي أن يكون الحقّ في تلك الآصرتين، لمن نزل الابن من صلبه والأم التي ولدت ذلك الإبن، أم الأبوين اللذين سهرا على تربية الإبن وتنشئته؟؛ وبعد أن عالج قضية الأخت غير الشقيقة، وما يترتّب على هذه الآصرة من تداعيات وتطوّرات في شريطه « أُختنا الصُغرى - 2015 »، يعود للمرّة الثالثة، في غضون خمسة أعوام فحسب، إلى تناول هذه الآصرة عبر فيلمه الأخير.
ويفعل ذلك عبر هذه العائلة التي لا تنتمي إلاّ لنفسها، ولا تأتمر إلاّ لمواطنتها هي. فخلال واحدة من جولات الصبي شوتا في الأسواق العامة لسرقات صغيرة لسدّ الرمق بسبب شحّ المورد المالي للعمل الذي يمارسه كبار العائلة. فبرفقة شيباتو أُسامو، الذي نعتقده والده، يعثر شوتا على الطفلة الصغيرة جوريوهي تُقاسي البرد القارص في يوم شتوي بارد للغاية.
تُأوى الصغيرة جوري في المنزل الصغير الذي يضمّ الخمسة الآخرين، وحين يسعى أوسامو إلى إعادتها إلى منزلها، يستمع إلى شجار حادٍ بين والدي الطفلة، فيُقرّر، هو ورفيقته نبويو، بالعودة بها إلى منزلهما وتبنّيها كواحدة من أفراد الأسرة.
تُدرّب جوري على فنون السرقة من الأسواق العامة وتنسجم مع حياة العائلة الجديدة وتُكنّى بإسم جديد، بعد أن يُقصّ شعرها ويُسرّح بشكل جديد. أخوها الجديد شوتا هو مدرّبها الأساسي، وحين توشك في الوقوع في الفخ يُسارع الصغير إلى إنقاذها على طريقته. يفلح في ذلك، لكنه يدفع الثمن بالرقوع في براثن الشرطة بسبب خطأ لم يتوقّع حدوثه، ويُصبح ذلك الحادث سبباً لإماطة اللثام عن تفاصيل عديدة للشرطة، وللمشاهد في آن، حيث تتكشّف جميع الخبايا.
لكن هل سيُفضي ذلك إلى تفكيك هذه العائلة؟ هل سيتكافل أفرادها فيما بينهم للاحتفاظ بتلك الآصرة الجميلة التي ابتُنيت فيما بينهم؟
كوري إيدا هيروكازو يُجيب على جميع هذه الأسئلة كلّها عبر شريطه الجميل « عائلة السُرّاق ». وقد أجاب عليها بشكل رائع دعا لجنة التحكيم الدولية لمهرجان « كان » السينمائي الدولي إلى منحه « السعفة الذهبية » للدورة الـ 71 للمهرجان. وربّما كانت هذه الجائزة التي اتّفق عليها غالبيّة النقاد والمختصبن الذين حضروا المهرجان.