قناديل: التاريخ هو مانصنعه اليوم

اسم الكاتب: لطفية الدليمي رقم العدد: 4200 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 5/26/2018 5:16:06 PM

 لطفية الدليمي

نتساءل - ونحن نرى الأخبار والشائعات تتضخم أمام أنظارنا بين ناقليها - :هل يتوفر التاريخ البشري على حقائق موثوقة عن حوادث العصور الغابرة التي تناقلها معظم الرواة شفاهيا ، أو دونها المدونون بعد عشرات أو مئات الأعوام على وقوعها ؟؟
ماهي الحقيقة ؟ هل هي فيما تتداوله وسائط التواصل الاجتماعي من أخبار وصور مزيفة عن أشخاص وحوادث وأقوال ؟ أم أنها في أخبار الفضائيات التي تروّج لما يريده مالكوها وما يشترطه ممولو القنوات من تلفيقات وتزييف لإيصال فكرة مناقضة لما يعرفه الناس ويرونه ؟؟
كيف يجري تقييم الوقائع في عالم تحكمه الأوهام ؟؟ ماهي المعايير التي يعتمدها الصحفي؟ وماهي المقاييس التي يعتمدها الكاتب والمؤرخ لتدوين الوقائع ؟ كيف سيكتب مدون حوليات الشعوب وقائع زمننا على حقيقتها ؟ وماهي الحقيقة ؟ هل يحق للصحفي تغليب وجهة نظر شخصية أم أخرى نابعة من موقف ايديولوجي؟ أم تراه يدوّن وقائع الحاضر منطلقاً من انتماء قومي أو طائفي ؟؟ أم أنه يكتب ليرضي ولي نعمته ويديم قوت عياله مُشيحاً عن تقصّي الحقيقة واعتناقها ؟؟ ولكن ماهي الحقيقة في هذا العالم الشبيه بلوحة مائية سالت ألوانها و وتداخلت مع بعضها ، حتى صرنا نرى شواشاً من الألوان والخطوط التي لامعنى لها ؟ أين نعثر على الحقيقة والعالم منقسم الى قتلة ومقتولين ولصوص ومسروقين ؟ كيف لنا أن نمسك طرف خيط الحقيقة ووسائل الإعلام تنطق بأهواء الدول المهيمنة أو تزيف معلومات عن الواقعة والحدث ؟؟
ستضيع الحقيقة بالتأكيد فعالمنا مقسّم الى غزاة وطغاة وإلى منتفعين من الغزاة ومنتفعين من الطغاة ، ولن نبلغ كنه الحقيقة وهناك كتبة ومؤرخون يلوون عنقها ويلفقون تواريخ لمن يدفع ولمن يهيمن ، سنعجز حتما عن اقتفاء أثرها في عالم مقسّم إلى جموع موالية للخديعة وإلى مناهضين للمظالم وحروب الساسة .
أين الحقيقة ياترى ؟ هل هناك أشدّ وضوحاً من الدم البشري المسفوح وشهقات النساء المغدورات وجثث الضحايا وخراب المدن وحرائق الأدلة ؟؟ ولكن أين سنعثر على الحقيقة والعالم مقسّم بين قتلة يملكون التصرف بمصائر البشر بناءً على أهواء شخصية وتلفيقات فكرية وادعاءات دينية ، وبين ضحايا لايملكون في جنون هذا العالم سوى أن يموتوا ليحيا سادة الجنون ؟..
أين الحقيقة في عالم تتحكم به حماقة ساسة يعيدون تركيب قطع الدومينو كما تتطلب مصالحهم وزهوهم بسلطتهم ؟ أين الحقيقة فيما يصرح به حكام عالمنا الفاسدون عن انقاذ الشعوب من طغاتها وهم يشعلون حرائقهم بعدالة منقطعة النظير في أرواح الناس ومدنهم وأحلامهم ؟
كل شيء مختلط بكل شيء : طوفان فادح جرف القيم والمعايير وأنهى أزمنة عتيقة كانت البشرية فيها تمتلك – في الأقل - قدراً مقبولاً من مقومات حياة وقيما محددة واضحة في السلم والحرب ،وماعاد التاريخ لدى الدول الكبرى سوى ماضٍ مسكون بالعبث واللاجدوى ومثله المستقبل ، على الضد من الحكومات البائسة التي تهيمن على مقادير شعوبنا المغلوبة فهي تشتغل وتعتاش كالطفيليات على التاريخ المندثر والموروث المتهريء لتخدع الناس عن حاضرهم وتسلبه منهم ، لم تعد هناك حقائق صلبة سوى أرباح الشركات الكبرى وسلطة كبار المالكين في الدول العظمى.
لا أراني إلا متفقةً مع هنري فورد ، ملك صناعة السيارات الأمريكي عنما أعلن ذات يوم بأن (التاريخ هراء) وأضاف ( نحن لانريد تراثاً لأننا نريد أن نحيا في الحاضر وحده ، وأن التاريخ الجدير بالاهتمام هو التاريخ الذي نصنعه اليوم ).