عمارة "تلد" مسابقة!

رقم العدد: 4206 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 6/3/2018 6:24:38 PM

 د. خالد السلطاني

معمار وأكاديمي

في العادة، إن المسابقات "يلدن" عمائر، وليس العكس: كما "يشير" الى ذلك عنوان مقالنا! إذ يترتب على تنظيم المسابقات المعمارية، "ميلاد" تصميم يفترض به أن يكون كفئاً والأكثر ملائمة (بحسب رأي لجنة تحكيم المسابقة طبعاً!)، ويضحى، غالباَ، التصميم الفائز بمنزلة "المبنى" المستقبلي، للموضوعة التي حددتها طبيعة المسابقة. لكن "تميز"، (وهي منظمة غير ربحية، معنية بالعمارة والتخطيط، أسسها المعمار الشاب "أحمد الملاك" مع اصدقائه المعماريين، وبمشاركة أكاديمية فاعلة من جامعة "كوفتري" البريطانية، ودعم سخي من منظمات وأشخاص مهتمين في العمارة والثقافة بشكل عام)، إختارت لأن يكون أحد "النماذج المعمارية"، موحياً، وباعثاً الى تنظيم مسابقة معمارية، دعت المصممين (العراقيين وغير العراقيين) للاشتراك فيها، والفوز بجائزة "رفعة الجادرجي للعمارة" هذا العام (2018). نحن نتحدث عن مسابقة "مركز بغداد للتصميم" في الموقع الذي تشغله (أو بالأحرى شغلته) سابقاً متصرفية بغداد، ثم آل، لاحقاً، الى دائرة كتاب العدول، الواقع في منطقة <جديد حسن باشا> ببغداد، ذلك المبنى، الذي تم "نهبه" و"سلبه" بالكامل، أثناء الاحداث الدراماتكية التى شهدتها المدينة في سنة 2003.
يطلب، الآن، من المشاركين في المسابقة، التي تنظمها "تميز"، ووفقاً لما نشرته على موقعها الالكتروني "...تغيير الموقع الحالي غير المستخدم لمبنى محافظة بغداد القديم و تحويله إلى "مركز بغداد للتصميم" و الأخذ بنظر الاعتبار بجعل الواجهات المتضررة و المتبقية جزءاً من الأفكار التصميمية للمبنى الجديد، و ستكون واجهات المبنى القديم المتضررة بمثابة نصب تذكاري لفترة مهمة من تأريخ بغداد. ويترك للمشترك اختيار طبيعة ونوعية اللغة المعمارية المقترحة لمبنى مركز بغداد للتصميم، على أن تبرز عمارة وخصوصية الجدار و أهميته في الحل التكويني الفضائي المقترح.
حددت الجهة المنظمة للمسابقة ، متطلبات التصميم بالآتي:

• قاعة متعددة الوظائف للمعارض والاجتماعات والمحاضرات (سعة 200 شخص).
• فضاء لورشة عمل مشتركة للفنانين و المعماريين والمصممين.
• مكتبة
• استقبال/استعلامات مع مكتبين إداريين.
• فضاءات مشاركة لمكاتب شركات ناشئة.
• مرافق صحية للجنسين.
• مقهى / مع منطقة جلوس ودورات المياه
•لا يتطلب إيجاد موقف السيارات.

كما دعت اللجنة المنظمة الى تأهيل وإعادة تصميم وتنسيق الفضاء الرئيس المحصور ما بين الفضاءات المصممة المقترحة، ليستمر بدوره كملتقى وكمكان للفعاليات الخارجية الخاصة بالمركز وحددت اللجنة المشرفة، قيمة جوائز الفائزين، كما تبنت دعوتهم الى حفل تميز السنوي، ووعدت في نشر كتاب يتضمن كل ما يتعلق بتلك المسابقة والمشاركين فيها ونتائج التحكيم، فضلاً على إقامة معرض خاص يشمل أعمال أفضل 20 مشروعاً مساهماً في تلك المسابقة.
وبهذا "تعيد" تميز الى بغداد، واحداً من أهم مبانيها، ولكن بحلة جديدة، تتساوق مع القيمة العالية لعمارة ذلك المبنى التاريخي المهم ، ذي اللغة التصميمية المميزة. كما تقدم في عملها هذا، حلاً مجتهداً في موضوعة "الحفاظ" على الأبنية ذات الأهمية المعمارية والتاريخية، بايجادها "طريق ثالث"، وعدم الاقتصار على <ثنائية>: إما "القلع" والهدم والزوال، وإما أعمال ترميم ، وغالباً ما تكون بنوعية بائسة.
وعموماً، فان ما تقوم به "تميز"، في تنظيمها لهذه المسابقة وموضوعها المهم، يفرح كثيراً من المهتمين بالشأن المعماري. يفرحني، شخصياً، جداَ، على وجه الخصوص. إذ دأبت منذ سنيين (منذ اكثر من خمس سنوات، وأنا أدعو للاهتمام في عمارة هذا المبنى الفريد، وايلاءه اهتماماً زائداً، وعدم إزالته أو هدمه بسبب حالته الانشائية الراهنة ،كما يطالب بذلك كثر من المسؤولينز وذلك عندما نشرت مقالا بعنوان <عمارة تلد ... عمارة> في جريدة المدى بتاريخ 18 كانون الثاني 2013 حول هذا الموضوع . وقد جاء في ذلك المقال، ما يلي "..عندما شاهدت مبنى كتاب العدول سابقاً، الواقع في جديد حسن باشا ببغداد، قبل أكثر من ثلاث سنوات، فجعت، حينها، لمآل واحد من أجمل نماذج العمارة "المدنية"، لبغداد "العثمانية". إنه مبنى مميز واستثنائي لجهة مقاربته المعمارية؛ تلك المقاربة المفعمة بالحس الكلاسيكي المحدث، وفرادته التصميمية مقارنة بما كان ينتج معمارياً وقتذاك. وأظن، بأن مصمم المبنى إياه، الذي ظل اسمه مجهولاً، هو مصمم محترف على قدر عالٍ من المهنية. وليس، قطعاً، من البناة الشعبيين، الذين احتكروا منتج المشهد البنائي حينذاك. وهذا واضح من أسلوب معالجة واجهات المبنى، التى تنم عن دراية مهنية لا بأس بها، عن ما شغل ، وقتئذٍ، الخطاب المعماري من مقاربات تصميمية. فالأسلوب التماثلي المعتمد والسائد في واجهة المبنى، مع القدرة في تبيان مفردة المدخل الرئيس، واصطفاء مقاس ومقياس مناسبين له، فضلاً على استخدام العناصر التزينية بمهارة في أعلى فتحات النوافذ، وهي معالجات تبدو أن "صاحبها" يدرك جيدا "أدواته" التكوينية، ويعرف باقتدار طرائق عملها وأساليب تنطيقها. مثلما إن ملكة المصمم العالية تظهر بوضوح من خلال طريقة إنهاء " تدفق" مفردات واجهاته نحو الأعلى وتوقفها، بمعالجة تصميمية بارعة، انطوت على حس احترافي مشوب بجمالية واضحة. وفي حينها اقترحت أن يكون هذا المبنى (بوضعيته المنهوبة الحالية) "ركناً" أساسياً لفضاء حضري، غاص بالأحداث الثقافية، ومليء بنشاطاتها؛ يستقي بواعث حضوره في المشهد، من السمة الثقافية التى تسم المكان. ويفترض أن يؤلف هذا "الجدار المثقب"، التي تشير فتحاته الخالية الى ما كان يعرف بنوافذ وأبواب سابقة، عنصراً من عناصر تصميمية آخرى، تؤلف بمجموعها تكويناً مميزاً في الشكل والوظيفة، يمكن أن يكون وجوده إضافة معبرة الى خصوصية البيئة المبنية التى ينهض عليها؛ سيما وإن حضورعمارته المتفردة، ما برح، يضفي جمالية آسرة الى الشارع الذي يطل عليه، ويلفت ذلك الحضور البهي أنظار كل من يمّر بموقعه".
واقترحت في حينها، من أجل تحقيق تلك الفكرة أن يصار الى تنظيم مسابقة معمارية "... ببرنامج يحدد الاهداف والمضامين، يشترك فيها المعماريون العراقيون وغير العراقيين، لتقديم مقترحاتهم الخاصة لهذا المشروع التصميمي. وأن يصار الى اختيار لجنة تحكيمية، تصطفي التصميم الأمثل، مع مراعاة الحفاظ على ما تبقى من المبنى، كشرط من شروط المسابقة. وأن يأتي الحل التصميمي المنتظر، بحلول تغني خصوصية المكان، وتعتبره كأحد الامكنة المميزة في المخطط الحضري البغدادي"
واليوم، أشعر بنوع من الامتنان الكبير، "لجائزة تميز" في تبنيها لتلك الفكرة التي سعيت، يوماً، وراء تحقيقها، في "الحفاظ" على هذا المبنى المثير، باسلوب خاص ومميز، أبانه بصيغة مجتهدة، وعكسه "منهاج" المسابقة التي تنظمها الآن "جائزة رفعة الجارجي للعمارة"
متمنيا للجميع، منظمين ومشاركين، لهذه المسابقة، التى اعتبرها من الاحداث الرائعة في تاريخ العمارة العراقية، لجهة ارسائها قيم جديدة ومبادئ حداثية في قراءة مفهوم "الحفاظ" والاهتمام بالموروث المعماري العراقي المهم.