خوسيه موخيكا .. دون كيخوته الأورغواي

رقم العدد: 4207 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 6/4/2018 6:57:16 PM

 من البندقية الى التسامح والقانون والاصلاح الاجتماعي

 جيلز تريملت

ما زال  خوسيه موخيكا يتمتع بالشعبية  وقد  حقق شهرة عالمية بصفته متحدثاً مشاكساً يقول الحقيقة: حصدت خطاباته التي تنتقد النزعة الاستهلاكية المتفشية . يدعوه البعض نيلسون مانديلا أميركا اللاتينية مستذكرين السنوات الـ١٣ التي أمضاها في السجن. فيما يرى آخرون فيه ليبرالياً اجتماعياً رائداً يشتهر في الغالب بطريقة عيشه. فهذا الرجل الذي يلقبه معظم أبناء بلده الأوروغواي بـ«بيبي» يقود سيارة من نوع «فولكس فاغن بيتل (خنفسة)» عمرها ٢٥ عاماً، ويعيش في منزلٍ صغير قائم على ملكية صغيرة في الريف، ويتبرع بـ٩٠% من راتبه للاعمال الخيرية. إلا أنّ أسلوبه الخشن المتعمَّد والعملي يسعد الفقراء من أبناء بلده، مع أنه أسلوب ناجح أيضاً في التعامل مع جزء من الطبقة الوسطى – وهو أسلوب فشل بوضوح عند قادة شعبويين آخرين في أميركا اللاتينية في تقليده، أي استذكار المحرر العظيم سيمون بوليفار بشكل دائم.

ويدعي منتقدو موخيكا أنّه يُعنى بالأسلوب أكثر منه بالمضمون – فهو رجل عجوز جذاب وضع جانباً مسدسه ومثله الثورية. في قارة أصبحت تمثل المختبر الأكبر في العالم للأنظمة اليسارية البديلة، التي يدعي كل منها أنّه عثر على الوصفة السحرية، ما زال الكثيرون يعجزون عن أن يقرروا ما إذا كان بطلاً أو خائناً.
توفي والد موخيكا عام ١٩٤٣، عندما كان في الثامنة من عمره فقط. وسرعان ما عمل كعامل توصيل لحساب مخبز محلي في حي «باسو دي لا أرينا» شبه الريفي، وعمد إلى بيع «زنابق الأروم» المقطوفة من النهر الصغير خلف منزلهم، لمساعدة العائلة على تغطية النفقات كلها. كانت بداية القرن العشرين مبهرة بالنسبة إلى الأوروغواي، فقد أرسلت الصوف ولحم البقر إلى أوروبا الجائعة التي مزقتها الحرب؛ وبحلول العام ١٩٣٠ اعتبرت واحدة من الدول العشرة الأغنى في العالم من حيث متوسط دخل الفرد فيها. كذلك، حظيت الأوروغواي الصغيرة بتشريعات إجتماعية متبصرة، مع تحديد يوم العمل بثماني ساعات ومع إجازة أمومة وقد أسماها البعض سويسرا أميركا اللاتينية. حتى إنها فازت ببطولة كأس العالم لكرة القدم عامي ١٩٣٠ و١٩٥٠، على الرغم من أنّ عدد سكانها لم يتجاوز يوماً الـ٣.٥ مليون نسمة. لكن في سني نشأة موخيكا، بدأت هذه المعجزة بالانهيار.

غيفارا والتحول
في فترة شبابه، عمل موخيكا لدى انريكي أرو، سياسي يساري يتمتع بالشعبية، لكنه اختبر صحوة سياسية مفاجئة عندما التقى تشي غيفارا في كوبا بعد الثورة. وبما أنّ جزءاً كبيراً من أميركا اللاتينية وقع ضحية الأزمات والتراجع، ألّف إدواردو غاليانو، وهو كاتب من الاوروغواي، كتاباً جديداً يتحدث عن اليسار في هذه القارة بعنوان «الشرايين المفتوحة لأمريكا اللاتينية». وكتب غاليانو: «عام ١٩٧١ أحاطت سحابة من السرية حالات الموت بسبب الفقر في أميركا اللاتينية، ففي كل سنة، وبدون إصدار أي صوت، تنفجر ثلاث قنابل كقنبلة هيروشيما فوق المجتمعات التي أصبحت معتادة على أن تعاني بصمت». ومع التضخم الهائل والاقتصاد الراكد الذي تعاني منه الاوروغواي، قرر موخيكا ورفاقه أن يحذو حذو كوبا، من خلال تدمير النظام القديم وتجربة شيء جديد – على الرغم من أنّه لم يتضح يوماً ما هو هذا الشيء الجديد. لم تكن في الاوروغواي جبال يمكن الاختباء فيها، وبما أن مدينة مونتيفيديو التي تشرف على سهل خصيب تملأه الأغنام وماشية «هيرفورد» البيضاء اللون هي أيضاً، أصبحوا مقاتلين مدينيين استمدوا حصلوا على أسمهم من ثائر بيروڤي من القرن الـ١٨، توباك أمارو Iالثاني وقد مثلت عصبة التوباماروس حركة واسعة – قاد جزءاً منها كاهن – لا تخشى المغامرات، حتى المكلفة منها. وانطبع تاريخها بالتجربة والخطأ، بدلاً من العقيدة، وما زالت الحال كذلك حتى اليوم.
وسرعان ما اكتسب أفراد العصبة سمعة عن أدائهم المسرحي الجريء. ذلك أنّ هجوماً على بلدة باندو شهد على تجولهم في الشارع الرئيسي متنكرين في هيئة موكب جنازة. وبعد عملية سرقة في كازينو سان رفايل في بونتا ديل ايستي، وهي بلدة سياحية فخمة، أعادت العصبة صندوق اكراميات الموظفين. وقد وصفت مجلة «تايم» هؤلاء المقاتلين بـ«مقاتلين على طريقة روبن هود». بيد أنّ الأشخاص الذين يحملون أسلحة ينتهون باستعمالها. وبذلك قضى ستة في الهجوم على بلدة باندو. وفي شهر آذار/ مارس ١٩٧٠، تعرّف شرطي في إحدى الحانات على موخيكا. فسحب «ال بيبي» مسدسه فجُرِح شرطيان وأصيب موخيكا بست طلقات نارية. فتم إرساله إلى سجن بونتا كاريتاس – الذي سيتحول لاحقاً إلى مركز تجاري جذاب يطل على نهر بلاتا من أقصى جنوب مونتيفيديو. هرب منه موخيكا مرتين. فضلاً عن ذلك، شارك مراهقون سريعو التأثر والانفعال في التظاهرات الطلابية، ورموا الحجارة على رجال الشرطة مع توسع رقعة التظاهرات على امتداد تلك الدولة التي اعتبرت لوقتٍ طويل الأكثر هدوءاً واعتدالاً في المنطقة.
ثم أتخذت الأمور منحى خاطئاً إذ مزّقت عمليات الخطف والتفجيرات وعمليات الاعدام بدمٍ بارد سمعة التوباماروس الرومانسية. فاستدعي الجيش، وفي أقل من سنة، تم القضاء على عصبة التوباماروس. وكان موخيكا واحداً من آخر من ألقي القبض عليهم، في آب/ أغسطس ١٩٧٢، فيما هو نائم في العراء ومعه مسدس رشاش من نوع «عوزي» وقنبلة يدوية تحت معطفه. وفي حزيران/ يونيو ١٩٧٣، قاد خوان ماريا بوردابيري من حزب كولورادو، وهو رئيس استبدادي يربّي الماشية، انقلاباً عسكرياً مدنياً، أنهى عهد الديمقراطية. وألقى الكثيرون اللوم على التوباماروس بالتسبب في ذلك.

سنوات الاعتقال الطويلة
نقل تسعة من قادة التوباماروس من زنزاناتهم وأرسلوا إلى معسكرات الجيش كرهائن – ليُقتلوا إذا عادت هذه المجموعة إلى الحياة. وقد أمضى الشاعر والروائي والكاتب المسرحي ماوريسيو روزنكوف ١١ عاماً في زنزانة صغيرة بجوار موخيكا. وطوال سنوات عدة كما أخبرني روزنكوف، لم يتمكن الرهائن من التواصل إلا من خلال نقر شفرة مورس على جدران زنزانتهم. وبما أنّه حظر عليهم استعمال الحمام أكثر من مرة واحدة في اليوم، كانوا يبولون في زجاجات المياه ثم يتركون الرواسب لتستقر في القعر ويشربون الباقي – لأنّ المياه كانت نادرة أيضاً. وكان الوضع أسوأ بالنسبة إلى موخيكا الذي ألحقت الجروح الناتجة من الأعيرة النارية أضراراً بالغة بأمعائه. لقد جعلهم السجن الانفرادي شبه مجانين. فأصبح بيبي مقتنعاً بوجود جهاز تنصّت مخبأ في السقف. لقد أصمه ذلك الصوت الوهمي الذي في رأسه. وأخبرني روزنكوف، ٨١ عاماً الآن، أنّه «كان يضع الحجارة في فمه ليمنع نفسه من الصراخ». كذلك، كافح موخيكا في سبيل الحصول على الشيء الوحيد الذي يحتاج إليه بشدّة – مبولة. كان يُسمح للرهائن بالزيارات العائلية بين الحين والآخر، فأحضرت له والدته لوسي واحدة، لكن الحراس رفضوا اعطاءها إياها. وفي أحد الأيام، حين كان سجّانوه يقيمون حفلة، بدأ موخيكا يصرخ ويطالب بها. فرضخ القائد لطلبه إذ إنه شعر بالاحراج أمام ضيوفه. وتمسّك موخيكا بالشيء الوحيد الذي يملكه، رمزاً لانتصاره على سجانيه، في كل مرة كانوا ينقلونه إلى معسكر جديد. ويتذكر روزنكوف: "لقد رفض فركها وتنظيفها؛ لدينا جميعنا عادات سلوكية راسخة من تلك الفترة. وعندما خرج بيبي، أحضر معه كل هذه التجارب التي مر بها" .

بيت متواضع جداً
تمر بك الطريق الرئيسة التي تقودك خارج مونتيڤيديو باتجاه مزرعة موخيكا أو ملكيته الصغيرة عبر الضواحي الصناعية، فوق نهر ملوث وعلى امتداد مساحات منبسطة من المنازل الصغيرة المصادرة. إنّها فقيرة لكن ليست متداعية. وهناك علامات قليلة نسبياً تشير إلى الفقر المؤلم الذي يصيب أجزاء أخرى من أميركا اللاتينية، على الرغم من أنّ أزمة الديون في العالم النامي دفعت بالكثيرين إلى الفقر المدقع في مطلع هذا القرن. الأحصنة الهرمة مربوطة إلى جانب الطريق، ترعى العشب الأخضر عند الجوانب الواسعة المعشوشبة. وتشير علامة بارزة مرسومة باليد على كوخ من الصفيح بالقرب من طريق الاسفلت المليئة بالحفر إلى الممر الترابي الذي يؤدي إلى المزرعة. كذلك، تندفع زمرة من الكلاب المتحمسة إلى الخارج للقاء الزوار، ثم تهرع لمطاردة سيارة ڤان توزع قوارير الغاز. وتتبختر الديوك والغربان وطيور الحجل عبر الحقول المجاورة، فتصبح لقمة سائغة لقطط المزرعة التي تتنقل خلسة. ويقص رجال ينتعلون أحذية مطاطية بيضاء نبتة السلق في حقل تابع للمزرعة.
خرج موخيكا من منزله الصغير مرتديا سترة من صوف الظبي وبنطالاً رمادياً واضعاً جوارب في قدميه ومنتعلاً صندلاً. يعتبر الصوف تحسناً في زيّه، يُنسب الفضل فيه إلى فريق حملته الانتخابية لعام ٢٠٠٩، الذي جعله يكف عن ارتداء السترات الممزقة. وقد ساهم التقدم في السن في جعل ملامحه أكثر حدة حول العينين وأكثر امتلاءً عند الجانبين. كان شعره الرمادي الكثيف مسرّحاً بترتيب – وهي عادة أخرى اكتسبها حين ترشح للرئاسة. ثم قفزت الكلبة مانويلا ذات القوائم الثلاث تلاعبنا بحماسة. يتألف المنزل من طابق واحد شبه مخبأ بالخضرة، ويستند سقفه المعدني المموّج إلى أعمدة تحيط بممشى إسمنتي ضيق مليء بالصناديق والجرار المغبرة. كان مطر الشتاء قد أبرز أعمال الجبس غير المنجزة بالكامل. وحذر الرئيس ملوحاً: «حذار من الطين!». وتضم الغرفة الأمامية المستطيلة الضيقة مكتباً وكرسياً رخيصين ورفوفاً للكتب وطاولة صغيرة مع كرسيين غير مريحين ظهرهما خشبي، وموقد هدّار تشتعل فيه الاخشاب ودراجة هوائية قديمة من نوع بيجو تم ترميمها بدقة وحرص. وقال بفخر «أمتلك هذه الدراجة الهوائية منذ ٦٠ عاماً » متذكراً أيامه كمتسابق هاوٍ. أما الغرفتان الأخريان في المنزل فيألفهما أبناء الأوروغواي الذين رأوهما على موقع يوتيوب: ففي إحدى المرات أظهر الرئيس سريره المرتّب على عجل لفريق التلفزيون الكوري فضلاً عن محتويات براد قديم قبل دعوته لاحتساء كؤوس صغيرة من ويسكي «جوني واكر» وكحول من قصب الاوروغواي. كانت خيوط العنكبوت المثقلة بالذباب الميت تتدلى فوق رؤوسنا. وجلس موخيكا واضعاً ساقيه المتصلبتين على كرسي المكتب ليريح مفاصله ويستعد للمعركة الشفهية.
كان باستطاعة موخيكا أن يعيش في القصر الرئاسي، وهو عبارة عن قصر عمره مئة سنة في حي برادو الراقي لكنه آثَرَ الإقامة هنا. ويقول موخيكا: "نحن نرى في ذلك طريقة للقتال في سبيل حريتنا الشخصية. إذا عقّدت حياتك كثيراً بالمعنى المادي، ستكرس جزءاً كبيراً من وقتك للسعي وراء ذلك. لهذا السبب ما زلنا نعيش اليوم كما كنا نفعل منذ ٤٠ عاماً، في الحي نفسه، مع الأشخاص أنفسهم والأشياء ذاتها. فمجرد أنك أصبحت رئيساً لا يلغي كونك رجلاً عادياً" .
يستخدم موخيكا لغة تتطابق مع أسلوبه البدائي. ففي خطاب ألقاه أمام أعضاء النقابات العمالية في مونتيڤيديو في اليوم السابق، علق الجمهور على عباراته الفظة المتلاحقة التي يدعي أنّه التقطها في السجن، وأثارت لفظة «اللعنة!» موجة بهجة عارمة من قبل امرأة كانت ورائي. وقال لي موخيكا: "أعرف ما يفكر فيه قومنا، ولدى بعض الأشخاص الذين يتمتعون بمستوى أعلى من الثقافة صورة نمطية معينة ويعتقدون أنّه على السيد الرئيس أن يكون أشبه بتمثال، جامد تماماً. لا يستطيع أن يكون كأي شخصٍ آخر. لكنني رجل عجوز من لحم وعظام، ولدي أعصاب وقلب. نعم، أخطأت كثيراً لكن دائماً عن حسن نيّة" .
ويوضح موخيكا: «لم أُنتخَب رئيساً لأنني كنت فرداً في عصبة التوباماروس، لكنني لم أتصرف بأسلوب حقير وأخفي ماضيّ». حتى أيام كان مقاتلاً، أصر على أنّه حاول أن يبقي العنف عند أدنى مستوياته. وهو الآن يعترف بأنه يكره الحرب الحديثة، لكنه يزدري أيضاً «النزعة السلمية الملائكية»، ويرفض التعبير عن الندم عن ماضيه العنيف. ويضيف: «الأشياء الوحيدة التي أندم عليها هي تلك التي كان بإمكاني فعلها لكن لم أفعلها». لا يتشبث موخيكا بالأحقاد القديمة – فالرجال الذين سجنوه وعذبوه كانوا بنظره أدوات بيد أشخاص آخرين. وتتمثل إحدى التناقضات التي أرستها الديمقراطية القائمة على المشاركة في أن شعب الأروغواي صوّت على الابقاء على قانون العفو الذي يحمي الكثيرين ممن شاركوا في قمع الدولة في اليوم نفسه الذي اختار فيه موخيكاً رئيساً للبلاد. ويعلّق: "لقد عانيت لكن لا يمكنك أن تتمسّك بالحقد والكره. ما كنت لأصبح الشخص الذي أنا عليه اليوم لو لم أتجاوز ما اختبرته خلال تلك السنوات" .
يعيش أربعة عشر شخصاً آخر في منازل صغيرة منتشرة حول المزرعة، والكثير منهم من كبار السن. لا يفرض عليهم بدل إيجار. ويوضح: "نحن أشبه بدارٍ عجزة». في الجوهر، ما يزال موخيكا ثوروياً، - أو كما يصف هو نفسه – يسارياً فوضويا. ويتابع: «أنا نصف فوضوي، أو حتى فوضوي بالكامل – هذا أشبه بحلم، بخيال. وإذا استطاع الانسان القديم أن يحكم نفسه، ربما في أحد الأيام، في المستقبل، سيتمكن الناس من أن يحكموا أنفسهم مجدداً». بعد حياة كاملة من النضال، بعمر الـ٧٩ وجد طريقة لاقامة توازن بين المثالية والبراغماتية، وهذا ما أزعج منتقديه ضمن اليسار. ويوضح موخيكا: «الرؤية اليسارية للعالم تتطلب منك أن تتخيل مدينة فاضلة مستقبلية، لكن لا يحق للمرء أن ينسى إنّ الشيء الأهم بالنسبة إلى كل إنسان هو الحياة التي يعيشها الآن. بالتالي فإنّ النضال في سبيل تحسين اليوم الحاضر ينبغي أن يصبح مهمتك الأساسية" .

ثوري يميني..وثوري يساري
يشتهر موخيكا بعباراته الفظة وبالمقابلات التلفزيونية التي يجريها وهو أشعت الشعر ومن دون طقم أسنانه الاصطناعية. والأهم من ذلك كله أنّ بيبي روّج لنفسه. لطالما كانت عصبة التوباماروس تتمتع بحس ترويجي ذكي، وتصريحات موخيكا اللافتة كانت تشكل مادة جدية للتقارير الإخبارية. ويتابع فيرنازا: «لقد كان عالقاً في صورته النمطية الخاصة. بالتالي غيّر شخصيته، ليظهر مرونة سياسية أكبر بكثير مما اعتقده الناس. سرّح شعره ودأب على وضع طقم أسنانه الاصطناعية». أصبح موخيكا الرئيس، وباتت الفصيلة التي ينتمي إليها والتي يقودها توبولانسكي المكون الأكبر لـ"الجبهة العريضة" .
عززت الاصلاحات الاجتماعية التقدمية التي أنجزها موخيكا شهرته العالمية، لكنه أقل تأثراً واعجاباً بها من محبيه. ويعلق قائلا: «هي تناسب حس الحرية وحقوق الإنسان الخاص بنا، لكنها لا تحل المشكلة الأساسية ألا وهي الفروقات الطبقية». ويرى المسؤولون عن حملته أنّه ليس تقدمياً إشتراكياً بطبيعته. ويقول أحد الناشطين في مجال الصحة الجنسية إنّه «يشبه الانسان الأوروبي الحديث الأول نوعاً ما»، غير أنّه يعبّر عن امتنانه للقانون الذي شرعن الإجهاض في الأسابيع الـ١٢ الأولى من الحَمْل؛ وكان فاسكيز، وهو متدين من الروم الكاثوليك، قد صوّت برفض قانون مشابه خلال الولاية الرئاسية السابقة لـ«الجبهة العريضة». غير أنّ سيرجيو ميرندا ورودريغو بوردا، أول ثنائي مِثلي يتزوج في السنة الماضية، لم ينسبا معظم الفضل في ذلك إلى موخيكا. وأوضح ميرندا في المكاتب الصغيرة لشركتهما التي تُعنى بتنظيم نشاطات سياحية لمثليي الجنس: "لسنوات طوال، حارب أناس كثر في سبيل تحقيق ذلك. ومن جهته ما زال الرئيس يشير إلى المثليين من الذكور والاناث بصفتهم "يعانون ازدواجية جنسية" .
ويعلق موخيكا: «كل ما نفعله هو الاعتراف بشيء قديم قدم البشرية. ولعل أفضل ما في الأمر أن يتمكن الناس من العيش كما يحلو لهم». وهو يرى أنّ هؤلاء يعاقبون مرتين بفعل الفقر وعدم تقبل وضعهم كضحايا حقيقيين. ويوضح: «يواجه أولئك الذين يعانون ازدواجية في الهوية الجنسية مشاكل حقيقية إذا كانوا فقراء. فيما إذا كانوا أغنياء يتم تقبلهم. يبدو ذلك قاسياً لكنها الحقيقة كما أراها. وأكثر النساء اللواتي يعانين التمييز هن النساء الفقيرات. فالذكورة تستفحل في المستويات الدنيا. لا يعامل مجتمعنا الفتيات الفقيرات معاملة جيدة. ثمة نساء ينتهي بهن المطاف منبوذات مع الكثير من الأولاد. وبالنسبة إلي، هذه إحدى أهم المعارك في سبيل تحقيق العدالة». خلال الحملة الانتخابية الرئاسية ضُبِط وهو يشتكي من «النساء المثقفات اللواتي يعتقدن أنّهن يتعرضن للظلم»، أو اللواتي يتحدثن عن عاملة التنظيف التي تعمل لديهن، «في حين أنها في الحقيقة الخادمة». ويذهب ٩٠ في المئة من راتب موخيكا الذي يتبرع به إلى الأمهات العازبات.

الحاجة إلى الرأسمالية
يظهر بشكلٍ جزئي تمثال نصفي لتشي غيفارا من رف للكتب في مزرعة موخيكا. ويوضح موخيكا : «كان شخصاً لا ينسى، يحطم القوالب والنماذج الراسخة. طبع مرحلة شبابنا بكاملها». بيد أنّ الرجل الذي نسف في ما مضى المصانع التي يملكها الأجانب، مستوحياً ذلك من غيفارا، يقدم لهم الآن اعفاءات ضريبية. وعلّق بالقول: «أحتاج إلى الرأسمالية لأحقق النجاح، إذ عليّ أن أفرض الضرائب لأتمكن من الاهتمام بالمشاكل الخطيرة التي نواجهها. فمحاولة التغلب على كل ذلك بشكل مفاجئ يعرّض الشعب الذي تقاتل من أجله للمعاناة، بالتالي عوضاً عن الحصول على المزيد من البحبوحة، تحصل على مال أقل». لم يرافق أفراد عصبة التوباماروس جميعهم موخيكا في رحلته نحو الاشتراكية الواقعية اللينة. وصرّح الرهينة السابق جورج زابلزا حديثاً: «لقد تركوا مُثُلَهم في زنزانات السجن». ويرى موخيكا أنّ "بعض الرفاق القدامى لن يفهموا. هم لا يفهمون معركتنا لمواجهة مشاكل الناس اليومية، وأنّ الحياة ليست مجرد أوهام وتخيلات" .
كما حصل في دول أخرى في المنطقة، ساهم ازدهار اقتصادي غذته إلى حد كبير حاجة الصين المتزايدة إلى الغذاء، في انتشال أعداد كبيرة من الناس من شباك الفقر، بانخفاض من ٤٠ إلى ١٢٪ خلال عقد واحد. تراجع الفقر المدقع عشرة أضعاف خلال الفترة نفسها. ويُذكر أنّ هذا الازدهار صادف أثناء رئاستي موخيكا وفاسكيز، عندما حقق الاقتصاد نمواً بنسبة ٧٥٪ وازداد الانفاق العام بنسبة ٥٠٪ تقريباً. كذلك، تم ردم الفجوة في الثروة في الاوروغواي، لأسباب من بينها أنّ حكومة فاسكيز طرحت ضريبة الدخل الأولى في البلاد. وازداد الإنفاق الاجتماعي الذي يستهدف الفئات الأشد فقراً. وبذلك، يملك كافة تلاميذ المدارس في الاوروغواي أجهزة حاسوب مجانية، على الرغم من أنّ أجزاء من النظام التعليمي ما تزال معطلة. لكن لم تحدث أي تغييرات جذرية على البنية السياسية أو الاجتماعية الأساسية في الأوروغواي، ويعود ذلك جزئيا إلى نظام مؤسساتي معقد يعيق ذلك. فقد رفضت المحاكم على سبيل المثال ضريبة على الأراضي اقترحها موخيكا. وأوضح أستاذ العلوم السياسية غارسيا أنّ النظام الديمقراطي في الأوروغواي خاضع للكثير من الضوابط والتوازنات، وأنه على الرئيس أن يحكم من خلال الحوار، وتحصين البلاد ضد الشعبوية التي عاثت فسادا في أماكن أخرى في القارة.
موخيكا الذي أصبح أخيراً براغماتياً ما عاد يحارب العولمة التي، من خلال ربط موائد العشاء الصينية بمزارع الأوروغواي، تموّل هذا التحول الملحوظ. وأوضح «هذا أشبه بما أراه عندما أنظر إلى المرآة وأرى تجاعيدي. لا أشعر بالتعاطف حيالها، لكن لا مفر منها. علي أن أكافح لأتحكم بها قدر استطاعتي لأنني إن بدأت أبكي كطفل لن أغيّرها». ويرى موخيكا أنّ فشل العولمة الصارخ يتمثل في غياب الاشراف السياسي «هي سيئة لأنّها تخضع للسوق وحسب. لا تملك أي سياسات أو أي حكومة. كما أنّ الحكومات الوطنية لا تقلق إلا حول انتخاباتها المقبلة، لكن هناك مجموعة من المشاكل العالمية التي لا يعالجها أحد». ولا يعني ذلك أنّ الرأسمالية حققت فوزاً كاسحاً. ويضيف موخيكا: «لا أعتقد أنّه من المحتم أن يعيش العالم في ظل الرأسمالية. فذلك يوازي عدم الايمان بالإنسان. والإنسان حيوان لديه الكثير من العيوب ولكنه يتمتع أيضا بقدرات مذهلة" .

دون كيخوته الأورغواي
ما زال موخيكا يؤمن بالصراع الطبقي. يقول: «أجل، إنها حرب حتماً». لكن هذه الحرب، المجردة من الثورة والتي أسقط عليها الواقع، تُخاض الآن في ميدان ضيق جدا. ولعل أكثر ما يثير قلقه هو الرواتب وحقوق النقابات. كذلك، أخبرني غارسيا أنّ موخيكا كان مكبلاً بسبب وضع مجموعته ضمن ائتلاف «الجبهة العريضة». وأوضح «الاستثنائي في الأمر أنه لدينا مجموعة من الاشتراكيين الثوريين الذين لم يؤمنوا بالديمقراطية، ثم حولوا أنفسهم إلى خبراء في البحث عن الأصوات لكنهم في نهاية المطاف لا ينجزون إلا إصلاحات دنيا وحسب في النظام». ومع ذلك، قفز الحد الأدنى للأجور بنسبة ٥٠٪ خلال ولاية موخيكا، مما يوحي بأنه لم تكن هناك حاجة ربما إلى اصلاح جذري لاتخاذ خطوات كبيرة في الطريق نحو حلمه المستحيل. والواقع أنني عندما سألت سكان الأوروغواي إلى أي حد غيّر موخيكا بلادهم، أجاب البعض أنّ الاوروغواي وتقاليدها المتمثلة في الاعتدال والحوار، هي التي غيرته. وقال لي الخبير الاقتصادي ارنستو تالفي إنّ «تحوله هو في الأساس انتصار للديمقراطية الليبرالية"
أخبرني موخيكا أنّ تشي غيفارا جسّد روح الفارس المتجول المجنون والمهووس بالشرف الذي ابتدعه ثرفانتس. حتى أنّ أحد الكتاب الشبان ألمح إلى أنّه جرى الترويج للرئيس عن عمد بصفته دون كيخوته العصر الحديث. ولا شك في أنّ رفضه المساومة على الشرف الشخصي – الذي يتجسد في أسلوب حياته البسيط في المزرعة – يتطابق تماماً مع هذه الرواية. ومع أحلامهم المثالية وحبهم السابق للعنف «العادل» إنما غير المجدي في نهاية المطاف، يعرف التوباماروس كل شيء عن محاربة الأعداء الوهميين. لكنّ عزم موخيكا على الاستمرار في التجارب شهد على تطابق المثالية مع البراغماتية. وحيث أنّ التقشف هو داخل منزل الرئيس، وليس خارجه، تبدو الاتهامات بالخيانة مجرد اتهامات جوفاء لا أكثر.
بعد حديثنا، انتعل الرئيس جزمة موحلة وأراني مباني المزرعة. كانت سيارة الفولكس فاغن ذات اللون الأزرق الفاتح مركونة في مرآب مغبر ذي أبواب مصنوعة من ألواح معدنية صدئة. قال: «نادراً ما تتعطل، كما أن قطع الغيار الخاصة بها تباع بأبخس الأسعار، والتأمين عليها رخيص». أما حلمه لدى انتهاء ولايته الرئاسية فيتمثل في إقامة مدرسة زراعية للشبان في حظيرة فارغة بجوار المزرعة. ويوضح: «بما أنني كرست نفسي لإصلاح العالم عندما كنت شاباً، لم أنجب أي أطفال». وفيما كنا نغادر، سألت العامل الذي يقطف الِسلق عن الرئيس فأجابني: «إنّه رجل عادي». بدا قوله هذا أشبه بمديح.
 صحافي إسباني، نشر هذا المقال في الغارديان البريطانية