كلاكيت: نظرة استشراقية في" البحث عن أمّ كلثوم"

اسم الكاتب: علاء المفرجي رقم العدد: 4209 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 6/6/2018 6:50:39 PM

 علاء المفرجي

عنوان فيلم المخرجة الاميركية الإيرانية الأصل شيرين نيشاط (البحث عن أمّ كلثوم) يشي بتجربة جمالية جديدة، ذلك لأن أمّ كلثوم لاتحتاج الى البحث عنها، فأم كلثوم هي الموهبة التي وصلت حد الاعجاز، استوطنت القلوب من المحيط الى الخليج، نموذج العصامية ومسيرة الإصرار من قرية مغمورة الى فتاة تتهجى الأناشيد الدينية، الى أهم مطربة عربية على الاطلاق.
منذ البداية يسلمنا الفيلم الى حالة من التساؤل. فالمشاهد ليس أمام فيلم سيرة عن المطربة الكبيرة، ولاهو تقديم رمز نسائي جديد على ثقافة المخرجة... لكنه حتماً أمام رؤية خاصة عن أمّ كلثوم يجنح أحياناّ كثيرة الى الإحالة الاستشراقية، عن موهبة تولد وتنضج في مجتمع شرقي مدجج بالعقبات أمام انطلاقها.
فالفيلم ليس بسيرة ذاتية لأمّ كلثوم، بل هو سعي المخرجة للبحث عن أمّ كلثومها هي، فهم شخصيتها، وأيضاّ فهم المخرجة لنفسها كمبدعة بالبحث عن رمز نسائي في محيط أقرب الى محيطها.
اختارت طريقة في السرد، عبارة عن فيلم داخل فيلم، مخرجة إيرانية تدعى ميترا (نيدا رحمنيان) تحاول أن تخرج فيلم عن أمّ كلثوم، وتبدأ بالبحث من خلال (الكاستنغ) عن ممثلة مناسبة الى أن يقع الاختيار على غادة (ياسمين رئيس) وهي معلمة في مدرسة الأطفال، ذات صوت جميل (تؤدي الصوت مروة ناجي) وتغني أغاني أم كلثوم.. لتقدم المخرجة فيما بعد وضمن سياق هذا الخط الدرامي محطات من حياة أم كلثوم، طفولتها بقراءة الأناشيد الدينية مع أبيها وأخيها ثم انطلاقها الى عالم الشهرة وصولاً الى الخلود المرتجى في زمن جمال عبد الناصر.
وفي موازاة هذا الخط الدرامي، خط آخر ينشغل بأزمة المخرجة الشخصية وعلاقتها ببلدها وابنها الذي يعبّر عن كراهيته لها،حيث تركته في بلادها، دون أن تملك الوسيلة التي تعود بها إليه، ومن دون أن نعرف نحن تفاصيل أكثرعن ذلك.
مشكلة الفيلم إننا لانعثر بسهولة على أي تقاطع بين هذين الخطين الدراميين، وإذا سلمنا أن اختيار المخرجة لأمّ كلثوم كرمز نسائي له دلالة كبيرة، العصامية والإصرار على تحقيق حلمها، وسيرة المخرجة المنبوذة من بلدها، ومسعاها في الذهاب الى اميركا لتحقيق حلمها .. أقول إذا سلمنا بهذه المقاربة، فإننا لانجد مبرراً لقيام المخرجة داخل الفيلم، بالإعداد لفيلم سيرة مطربة في مقابل خط دارمي آخر يعكس أزمتها الشخصية، تنهيه في الجزء الأخير من الفيلم بحالة الاضطراب التي تنتاب أمّ كلثوم بشكل يجعلها مرتبكة في الغناء أمام الرئيس عبد الناصر لتتوقف تماماً عن الغناء.
تقول مخرجة الفيلم في لقاء صحفي: "ما كان يسيطر على ذهني من تساؤلات قبل كتابتي للفيلم، أبرزها "كيف لم يكن لأمّ كلثوم حياة تقليدية مثل أي سيدة، وحياتها الخاصة كانت سراً رغم أنها لم تنجب". مع ذلك، كرست حياتها لفنها وللموسيقى والغناء، وأذهلتني قدرتها على حسم هذا الصراع المرير الذي تقع فيه معظم النساء الناجحات في العالم، في مجالات مختلفة، بين حياتهم التقليدية العائلية وتكريس حياتهن لفنهن أو العمل بشكل عام."
ولكن هل كان الأمر كذلك؟ أو بمعنى آخر هل جسدت المخرجة هذا القول بمشاهد بصرية اقنعتنا بفكرتها هذه؟.. ماذا أرادت بالضبط من فيلمها هذا (البحث عن أم كلثوم)، هل في استكشاف محطات لا نعرفها كعشاق لأغاني أم كلثوم؟ أم قراءة جديدة ومستحدثة لها.
نفهم أن تناول السيرة أو الوثيقة التي تتعلق بهذه السيرة ليست بالضرورة أن تكون مطابقة للواقع، ولكن ليس الى درجة تجاوز الدقة التاريخية التي كانت ضرورية لاستكمال الصورة.. خصوصاً فيما يتعلق (بثوابت) هذه السيرة التي تسكن الذاكرة عن هذه الشخصية.. وبالتالي يجب ترتقي الوثيقة الى الدراما وليس العكس كي نضمن تحقيق الصدقية التاريخية.