حديث اللّحظة : لم يعُد للصمت معنىً، والموتُ يزحف..

رقم العدد: 4212 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 6/11/2018 9:34:18 PM

 علي عبد الخالق

كلّ الانتصارات تبقى"مزعومة"إلى أن يتّخذ التحالف الوطني، بالتحديد وبإجماع أعضائه، قراراً، صريحاً، واضحاً لا يكتفي بإدانة التفجيرات المتتالية، وآخرهما تفجير مستودع السلاح في دار عبادة (حسينية) في مدينة الصدر، وحريق مخازن المفوضية العليا للانتخابات في منطقة الخلاني. ولابدّ أن يتخذ الدكتور حيدر العبادي رئيس مجلس الوزراء هو الآخر قراراً يباشر، بالاستناد إليه، بتجميع ومصادرة كلّ أسلحة الميليشيات على الإطلاق، من دون استثناء، بما في ذلك وضع الأسلحة الثقيلة والخفيفة للحشد الشعبي في مستودعات الجيش والقوات المسلحة العراقية وفي عهدتها.
لقد التزم السيد العبادي في برنامج التكليف بتجميع كلّ السلاح ومن أيّ كان وحصره في عهدة الدولة، ويُفتَرض أنه عالج إشكالية وخصوصية الحشد الشعبي وسلاحه، بقانون اعتباره جزءاً من القوات المسلحة وبإمرة القائد العام، لكنَّ كلَّ التدابيرالتي اتخذها ظلت شكلية أشبه ما تكون بالتصريحات التي أطلقها طوال ولايته حول الإصلاح والتغيير وبناء دولة المؤسسات والقانون وتصفية ما يتعارض معها.. مجرّد زوبعة في فنجان. ومع كلّ تصريح كان يدلي به وينطوي على جسارة وحزم وتحدٍّ، سرعان ما يتكشّف في الأيام التالية عن مزيد من التراجع و"الحرج"، ومن التنازلات المخلّة على حساب هيبة الدولة ومرجعيّتها.
لم يعد خافياً، ببالغ الأسف، أنه مع كل تصعيد متوتّر منفعلٍ ضد المظاهر السلبية، يعود ليدور حولها من دون أن يقترب منها، كما لو أنها أيقونات مقدّسة مَن يمسّها بطرفة عين، أو يدنو من حرمتها وخياراتها يرتكب معصيةً لا تُغتفر.!
وفي كلّ مرّة ترتكب فيها ميليشيا وقحة تجاوزاً على المواطنين وممتلكاتهم وأرواحهم، وترتفع أصوات المواطنين بطلب حمايتهم قبل فوات الأوان من مقرات مدججة بالسلاح والعتاد وسط الأحياء الشعبية، تذهب مناشداتهم هواءً في شبك، بل إنّ تلك الدعوات تُسبّب للأحياء وسكانها المزيد من التجاوز والتعدّي والتلويح بما لا يُحمد عقباه، حتى بات بعض قادتها من الشيوخ والسادة كلّيي القدرة في هذه الأحياء ويرتقون إلى مصاف"القداسة"، والويل لمن يتناول سيرة أحدهم، ولو من باب التساؤل فحسب. ومن يجرؤ وهو يبدو معزولاً، مُنتَهك الكرامة، بفضل تحوّل شبه الدولة إلى"خرّاعة خضرة"أو"فزّاعة"أو"خيال المآته"لا تهشّ ولا تنشّ في ظلّ تراجع نفوذ الدولة وهيبتها، وتردّد أجهزتها الأمنية في التعامل مع انتهاكاتها، لا تخفي تخوّفها وخشيتها من الميليشيات المدججة بالسلاح، المنفلتة بلا وازعٍ أو رادع.
إنّ دوراً مشرِّفاً قام به المتطوعون المأخوذون بفتوى المرجع الأعلى السيد السيستاني، الموالون لمرجعيتهم الوطنية، تَساقط المئات منهم شهداء وجرحى ومعاقين، لم تلتفت الدولة لاحتضان ورعاية اُسرهم. وقد أعلن القائد العام للقوات المسلحة عن إلحاق الهزيمة بداعش، وتاه من تبقّى منهم في الصحراء القاحلة أو هرب خارج الحدود، وأصدر البرلمان تشريعاً بضمّ الحشد الشعبي إلى القوات المسلحة، فأيّ مسوّغٍ لبقائها خارج أطرها، حيث لا يخفي بعض قادتها استقلاليتها بكلّ شيء، السلاح والعتاد والتموين، والتمويل، وإنّ ارتباطها بالقائد العام هو إجراء شكلي. فالقائد العام لا يمون على أيّ فصيل منها، ولا يعلو شأنه على قائدٍ من قادة فصائلها أو الأصح ميليشياتها. ولهذا بقي سلاحها منفلتاً موزعاً في الأحياء الشعبية، الشيعية بالذات، وبين مَن هم أكثرهم فقراً وإملاقاً، يحترقون بنيران تفجيراتها ومستودعاتها المخاتلة، بادعاء الاحتفاظ بالسلاح خارج الدولة لحمايتها!
آن الأوان للمطالبة الصريحة العلنية بنزع هذا السلاح المروّع، واعتبار مَنْ يحرن ويتمنّع متمرداً على الدولة.
آن الأوان لتشديد المطالبة الشعبية بأوسع ما تكون وبكلّ الأساليب التعبوية السلمية،
آن الأوان لمطالبة التحالف الوطني بهذا بوصفه المسؤول عن كل الويلات والهزائم التي تعرّض لها شعبنا ووطننا، عبر قادته الذين يمسكون"بخناق الدولة"وأجهزتها من خلال مَن يمثّلهم في السلطة، بدءاً من أعلى سلطة تنفيذية.
إنّ البلاد تواجه أخطارأ تتعدّد مصادرها، وليس الأقلّ خطراً بينها انفلات السلاح خارج الدولة.
وهل أكبر من التزوير الفاضح للانتخابات؟ وهل أوضح دليل على مَن كان وراء تفجير مخازن مفوضية الانتخابات المترافق مع تفجير الحسينية، الواجهة، في مدينة الصدر؟
ألم ينفد الصبر على هذا العبث والتلاعب بمصائرنا؟!