منطقة محررة: عن الحرية التي لا تعرف الحدود

اسم الكاتب: نجم والي رقم العدد: 4220 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 6/26/2018 5:49:07 PM

 نجم والي

كثيراً ما يُواجه الكتّاب المنفيون بالسؤال عن سبب مغادرتهم لبلدانهم هل كانوا مجبرين، أم فعلوا ذلك بمحض إرادتهم، والإلحاح بالسؤال يزداد، خاصة في حالة الكف عن وجود الأسباب التي قادت إلى نفيهم، نهاية الديكتاتورية مثلاً التي كانت وراء نفيهم، أو شيخوختهم أو غيرها من الأساب، وإذا كان لا يؤدي خروجهم أو إصرارهم على البقاء في المنفى، بالنتيجة إلى فقدان ذاكرتهم ونسيانهم لتلك الأماكن الحميمية التي عاشوا فيها سنوات طويلة، ويجعل كتاباتهم تفقد حرارة وألفة ذلك الذي مازال يعيش في داخل الأوطان التي تركوها وراءهم أو الأوطان التي لفظتهم، مثلما تفقد مواقفهم القدر نفسه من مصداقيتها. لا أبالغ القول إذا ما ذكرت هنا، أنه منذ قرننا الماضي وحتى الآن ولم يمر على كاتب ما، مثل هذا السؤال، بغض النظر عن جنسية الكاتب ودوافع خروجه، إذا كان منفاه إجبارياً أم اختيارياً. فكم هو عدد المبدعين الذين أُتهموا بالخيانة بسبب مغادرتهم لأوطانهم، منذ الإيطالي صاحب الكوميديا الإلهية دانتي مروراً بالبولندي الذي كتب بالإنكليزية صاحب قلب الظلام جوزيف كونراد والإيرلندي صاحب صورة الفنان في شبابه وناس من دبلن جيمس جويس والكولمبي صاحب مائة عام من العزلة غابرييل غارسيا ماركيز والبرواني صاحب المدينة والكلاب ماريو بيرغاس يوسا والتشكي صاحب خفة الكائن ميلان كونديرا وووووو ... وآخرون غيرهم.
ومهما كانت التخريجات التي يدعي واضعو الأسئلة ذاتهم التوصل إليها، الذين هم عادة مهتمون بالسياسة أكثر منه بالأدب، أو فضوليون يثرون استفزاز الكتّاب بسؤالهم، أو علماء أدب يرغبون بالمعرفة، لا يهم ماذا يكونون، لأنهم جميعاً في المحصلة يتفقون على أمر واحد: أنهم لا ينظرون للكاتب من خلال ما يكتبه من نصوص، نثراً أم شعراً، إنما يقيمونه من خلال المكان الذي يعيش فيه، أو من خلال موقع "غرفته".
تلك النظرة الضيقة تقود البعض الذين ينظرون نظرة مريبة للكاتب الذين يعيش خارج بلاده أن ينتهوا إلى فكرة ساذجة تقول: من الصعب على الكتاب المنفيين الكتابة عن "أوطانـ "ـهم بسبب ما معناه معضلة استيعاب الكاتب الروائي للحدث الروائي التاريخي التي تحتاج بين ما تحتاج إليه إلى فترة زمنية للنضوج معرفياً ونفسياً، لهذا السبب ولغيره من الأسباب الساذجة ربما من الأفضل للكتاب أن يكتفوا حاضراً بالكتابة عن المنفى، وأن اية كتابة عن الوطن هي تركيب من الغرائبية أو العجائبية، وفي أحسن الأحوال واقعية سحرية\ لا حاجة للناس لها.
يغيب عن هؤلاء السؤال الأكثر أهمية: هل الخروج إلى المنفى يعني بالضرورة توقف ذاكرة ومخيلة الكاتب في الكتابة عن "هناك" وعليه فقط الكتابة عن المنفى؟ لا أظن أن من الصعب الإجابة على هذا السؤال ببساطة وبدون حرج: كلا. أولاً: لأن الكتابة الجميلة نثراً أو شعراً هي كتابة عن الإنسان المنفي حتى وإن كان الكاتب يعيش في ما يُطلق عليه "الوطن"، الذي هو أصلاً اصطلاح سياسي أكثر منه إبداعي، إصطلاح اخترعته الناس لنفسها لكي تشعر بالإلفة مع المكان الذي تعيش فيه، أو لكي تبرر موتها أو إضطهادها من سلطات تبتزها تحت هذه التسمية كل يوم، إذا لا ترسل أبناءهم إلى الحربـ، أو تغتصب بناتهم وهن يافعات. ففي النهاية وطن الكاتب هو اللغة التي يكتب بها، وبيته هو العالم الذي يصنعه من عمله، مثلما هو وطن الرحالة، يكون حيث تطأ قدماه، وليست هناك علاقة قوية بين اللمكان الذي أجلس فيه وأكتب والمخيلة الإبداعية التي لا تعرف مكاناً معيناً أو حدود. الأدب هو أفق مفتوح، هو حرية لا تعرف الحدود.