باليت المدى: صورة فؤاد شاكر

اسم الكاتب: ستار كاووش رقم العدد: 4222 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 6/30/2018 7:15:18 PM

 ستار كاووش

إمتدت أصابع عبد الستار ناصر الرقيقة نحو حَجَرَي النرد، وأخذ يفركه بعد أن إستقر في راحة يده. ثَبَّتَ إبهامه فوق الحجرين المرقطين متأهباً لرميهما وسط طاولة اللعب، ليتوقف فجأة ويلتفت إليَّ بوجهه الوسيم قائلاً (ستار، لو أستجاب لي هذا النرد جيداً، فستكون سهرتك اليوم على حسابي) لكنه مال بجلسته بعد لحظات وهمس لي (لا تهتم، حتى وان خسرت، فأنا احتفظ ببعض النقود الاضافية، على سبيل الاحتياط).
وبينما كنت على هذه الحال، أراقب سير اللعبة، وسط حر المقهى، أطل فؤاد شاكر برأسه من الباب، بعد أن اخترق ضوء الشارع نحو ظلمة المقهى، ودخل بقميصه المتهدل وكامرته الثقيلة التي يعلقها على كتفه، وهو يبحث بين الوجوه. وحين وقع بصره عليَّ، تقدم نحوي مسرعاً، حتى كاد يصطدم بالنادل أبي داود. ليقول لي بعدها ( لقد هيأت المكان في الجريدة بشكل جيد، فلنذهب بسرعة كي أصور لك بورتريتاً كما وعدتك) فأجبته مازحاً (ألم تنس هذاالموضوع؟) فأجاب بلهجته البغدادية المحببة (كيف لي أن أنسى هذا الوجه الجميل). تبادلت مع حميد قاسم بعض الاشارات التي يفهمها جيداً، تتعلق بلقائنا في اتحاد الادباء مساءً، لأغادر صحبة فؤاد، مقهى حسن عجمي، تاركين خلفنا صخب الأصدقاء ورائحة شاي الظهيرة التي إمتزجت مع شتائم جان دمّو الذي دخل لحظة خروجنا، مترنحاً وهو يشبك يديه خلف ظهره.
في الطريق الى جريدة الجمهورية، كان فؤاد يدندن ببعض الأغنيات القديمة، لكنه توقف فجأة قائلاً (اليوم، سوف أصور لك تحفة) فأرد بدوري على أستاذ التصوير (ولماذا إخترت هذا اليوم بالتحديد؟) فيجيبني بطريقة العارف (السر كله في الضوء، فهو أساس وروح التصوير، وأنا أرى ضوء هذا اليوم مناسباً لتصويرك، أقول لك هذا لأني فكرت أن أصورك فوق، في الطابق الثالث، قرب النافذة).
إقتربت خطواتنا من درجات السلم العريض للجريدة، لنصعد بعدها الى قسم التصوير، حيث إستقرت طاولة كبيرة قرب النافذة، ليقوم فؤاد بحمل كرسي ووضعه فوق الطاولة، ويطلب مني الصعود ثم الجلوس على الكرسي ليكون جانب وجهي الأيمن مواجهاً للضوء. بعد أن استقر بي المقام على الكرسي الذي فوق الطاولة، أخذ فؤاد بالدوران حولي بعينين شاردتين مع مسقط الضوء وتأثيره، حتى أخذ بإلتقاط الصور، وهو ينحني في هذه الزاوية، ويجلس القرفصاء في زاوية أخرى. ينتصب ليرى المشهد من مكان، ثم يستلقي فجأة على الأرض باحثاً عن إلتقاطة أخرى. وبينما كان فؤاد منشغلاً بالتصوير، لَمِحتُ شخصاً يراقب المشهد بنصف وجهه من خلال الباب الموارب، الذي فتحه فجأة ليتضح بأنه المصور عقيل صالح الذي قال مبتسماً ( فنان يصور فنان! انه أمر مدهش) ثم أردف ضاحكاً ( سأصور فؤاد أثناء تصويره لك. ربما ستكون صوري وثيقة في المستقبل)، ليقوم بإلتقاط مجموعة من الصور التي يبدو فيها فؤاد أحياناً بوضعيات مضحكة وهو يبحث عن مكامن الضوء الذي إستقر على وجهي. كانت نتائج الصور مذهلة بالنسبة لي، وقد إحتفى بها الاصدقاء كثيراً. بعدها اخترت صورتين منها لتطبع في (بروشور )معرضي الشخصي (رجل وامرأة) وهو الأخير الذي أقمته في العراق بقاعة الرواق.
أثناء وجودي في مدينة كييف بمنتصف التسعينيات، كتب لي عدنان حسين أحمد في إحدى رسائله ( لقد التقيت بفؤاد شاكر في مقهى حسن عجمي، وقد تَذَكَّرَكَ بمحبة وقد التمعت عيناه بالدموع). مضت سنوات كييف البيضاء وسنوات هولندا الخضراء، لأعود الى العراق بعد التغيير الذي حدث، للقاء أهلي وأصدقائي. وهناك في شارع المتنبي، استقبلني فؤاد بذراعيه وقميصه المفتوح مثل قلبه، نظر اليَّ بوجهه الحزين وابتسامته اللامبالية التي اعرفها جيداً، عانقته ونحن نداري دموعنا، ومع رائحة شاي مقهى الشابندر إستعدنا عطر شاي مقهى حسن عجمي والأصدقاء الذين أخذتهم المنافي البعيدة، وتذكرنا قصة ذلك البورتريت التي تبدو وكأنها من عالم آخر، واسترجعنا تلك الصور التي كانت واحدة من اجمل هدايا الصداقة، واكثرها محبة وبقاءً.