بعبارة أخرى: 4-2-4

اسم الكاتب: علي رياح رقم العدد: 4239 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 7/23/2018 7:17:04 PM

 علي رياح

ربما تكون هي المرة العاشرة التي أشاهد فيها الفيلم المصري (4-2-4) ، وهذه واحدة من حسنات انتشار القنوات الفضائية التي تروّج لمنتجات بعينها ، وتزرع بين ركام الإعلانات فيلماً كان ذات يوم يستهوي الناس ، وتشدّهم أحداثه ، ويصبح فيه نجومه مدار الحديث والاهتمام طويلاً..
الفيلم الذي تدور أحداثه وشخوصه في فلك كرة القدم ضمن إطار كوميدي صرف ربما يصل في بعض الأحيان حدّ الترهّل ، أو حتى الإسفاف ، يحمل في جانبه الآخر دروسا مكررة عن النجومية في الساحرة المستديرة ، وكواليسها الخفيّة ، ودروبها الوعرة ، وقد كان هذا الصنف من الأفلام يلقى رواجاً شديداً في مطلع الحقبة الثمانينية نظرا لتعلـّق الناس بكل ما يمتّ للكرة بصلة ، فكيف يكون الأمر إذا كان الأبطال هنا سميرغانم وأمين هنيدي ويونس شلبي ووحيد سيف وجمع كبير من الكوميديانات أو (اللاعبين) يتصدّرهم المطرب الشعبي أحمد عدوية الذي كان يعيش في ذلك الوقت فترة انتشار عجيبة استثماراً لنجاحه الشعبي وردود الأفعال على النمط الذي يقدّمه من الأغنيات!
في المرة الأولى لمشاهدتي الفيلم في سينما النصر خالدة الذكرة ، كنت اتقلـّب على مقعدي مستغرقاً في الضحك المتواصل .. فالمهم أنني إزاء وجبة كوميدية خفيفة ترتبط بأجواء الملاعب المصرية التي ترى فيها العجب .. لكني وبعد كل هذا الزمان ، اكتشفت أن الفيلم يحمل دروسا عميقة في فهم كرة القدم بعيداً عن القالب الكوميدي الذي كان يبعث على الضحك .. لقد استوقفني حوار يدور بين مالك النادي ومدير الكرة حول أخلاقيات النجوم وتحوّلهم من هَم البحث عن فرصة ، أية فرصة ، إلى الغرور الجارف بعد أن ينالوا قسطاً من أجواء الشهرة وأضوائها .. فيقول المدير لمالك النادي بعد أن تمرّد لاعبو الفريق قبل إحدى المباريات المهمة ورفعوا سقف مطالباتهم إلى درجة مستحيلة .. (اتمنى لو أن كل نادٍ يفتتح في مدخله معرضا كبيرا يضع فيه صور لاعبيه حين يدخلون النادي للمرة الأولى بثيابهم الرثة ، وبالخجل الذي يغرقون فيه ، والعوز الذي يدفعهم إلى قبول أي عرض أو مُرتـّب ، فقط من أجل أن يضعوا القدم الأولى في الميدان ويسدوا رمق عيش عوائلهم التي داسها الفقر وضيق ذات اليد!
هنا يتساءل مالك النادي : وما المعنى من هذه الفكرة؟
ويأتي الرد والتفسير على الفور : لكي يتذكروا ، لدى دخولهم كل يوم ، كيف كانت البداية وعلى أي نحو انضمّوا إلى النادي ، ثم كيف تحوّلوا إلى الغرور والطغيان والدلال بمجرد أنهم نجحوا مع الفريق في عدد من المباريات ، وكيف أنهم قلبوا للنادي ظهر المِجَن وصاروا يتبطـّرون على ما كانوا يعتبرونها نعمة عليهم!
الطبيعة البشرية غارقة في النسيان .. نسيان اليد التي تمتد لكي تعين أو تساعد أو تنتشل من واقع مُر .. وفي أنديتنا ، وفي تصرفات كثير من لاعبينا نجد هذا المشهد كثيراً .. ففي ظل احتراف نعيشه ويجب أن نسلّم به مسايرة للعالم المحيط بنا ، لا نجد إلا ما ندر من قصص الوفاء ورَد الدين أو الجميل ، لكي نكتبها هنا .. فالعقوق صفة ، والجحود (ميزة) ، ولا أرى في يومنا هذا قصة واحدة للوفاء تستحق أن تروى في هذا المكان .. وأسأل الله أن يضع أمامي ذات يوم قريب مثل هذه القصة ، وأن يلهمني – في حينها – قدرة الكتابة فيها وعنها.