منطقة محررة: أندرسن ووصف احتفالات المولد النبوي

اسم الكاتب: نجم والي رقم العدد: 4245 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 7/31/2018 7:05:33 PM

 نجم والي

"كما يبدو فإن اليوم الثاني من 3 أيار، هو يوم عيد ميلاد النبي محمد، لذلك كل المنارات أضيئت"، هذا ما يكتبه الشمالي أندرسن في يومياته وهو يتحدث عن هذا اليوم الذي يصادف أول يوم من زيارته للشرق، لمدينة القسطنطينة بالضبط.
في ذلك اليوم، يخرج متنزهاً بصحبة الروسي آديرهاس. كان وقت المساء، وكانت الشمس قد غابت للتو، لكن النجوم متلألئة في الهواء الجنوبي، والقمر بدا مشعاً، وكل المنارات حملت بأكاليل من اللمبات، الكبرى باثنين، والأكبر بثلاث. الأضواء أكثر بهاءً طبعاً في منارات هاجيا صوفيا، والجامع الآخر الضخم، كل المدينة مضاءة بسبب عيد المولد النبوي، حتى فوهات مدافع السفن الحربية التركية كانت مضاءة، مكللة باللمبات، المساء كان رائقاً، "كما لو كانت المدينة كلها أسطورة/‏ خرافة"، طوال الليل تجول أندرسن بسعادة بصحبة كبيرة، من ضمنهم الرسام كريتشمير، الذي كان رسم السلطان، ويعرفه الناس في الدانمارك من خلال لوحاته، وفي الساعة التاسعة صباحاً، كانت تُسمع الإطلاقات من المدافع الراسية عند الساحل، "طلقة بعد طلقة، احتفاء بعيد ميلاد النبي".
في يوم 4 أيار يصحو على صوت إطلاقات المدفعية أيضاً، يذهب إلى السراي ويلتقي هناك بالضابط البرويسي فينديت، ويحضر معه مراسيم الاحتفال بعيد المولد النبوي، أندرسن يصف المشهد في يومياته بكل تفاصيله، دليلاً على انبهاره بالطريقة التي يحتفي بها الأتراك بعيد المولد النبوي، في نفس اليوم يذهب أندرسن إلى بيرا، الحي الشمالي من الجزء الأوروبي من القسطنطينية، وفي طريقه يلتقي بشاب أميركي. في نفس اليوم تعلن الرسائل القادمة من القاهرة والقسطنطينية عن إصابة 200 شخص بوباء الطاعون في المدينتين يومياً، الخبر يكتبه أندرسن بشكل عارض، كأنه غير مهم، ثم يواصل رحلته بالباخرة إلى بيرلا.
في يوم 5 أيار يصادف مناسبة ذكرى وفاة نابوليون، كان يوم العودة عبر نهر الدانوب حتى فيينا، في ذلك اليوم صحا أندرسن في الساعة الرابعة والنصف صباحاً، كان الضباب مازال يسيطر على المشهد، عندما ستقلع سفينتهم، رغم ذلك كان مصراً على تسجيل كل ما تراه عيناه، "بدا الساحل في الضباب مثل شارع طويل من كل الجوانب، خلفه جبال واطئة، حدائق، مدن، مقابر كلها تتداخل مع بعض، كما لو أن تاربيا مغلفة بالغابات". وعندما تلمح عيناه الحي بويوكديره الواقع في الخليج الصغير، يعلق: "هنا كان يجب أن تكون ميديا"، وعندما يصل فيينا، ويذهب لسوق اليهود، ثم إلى دائرة البريد سيكتب بأسى: "أحسست بالهواء الألماني الدانماركي، كم تمنيت أنني كنت مت في الشرق... متعكر المزاج ذهبت إلى الفراش".
عن طريق يومياته هذه لا يثبت أندرسن نفسه، بأنه كاتب خيالي من الطراز الأول وحسب، بل إنه كاتب رحلات بنظرات ثاقبة وحساسة، منبهراً وقف أمام المدينة الهائلة القسطنطينية، اسطنبول الأتراك، إنه يكتب متعجباً، بدون انحياز وبشيء من المرح والرومانسية. وهو على حق، عندما يتأكد له بعد رحلة العودة إلى بلاده، بأنه وحتى ذلك الحين لم يوجد كتاب يعطي صورة حقيقية عن اليونان، وعما رآه في الشرق، لأن رحلته تظل مختلفة عن بقية الرحلات، وما رآه خاص به وحده، لا يستطيع كاتب آخر أن يرضيه أبداً، سواء صح ما يقوله أم لا، فهو ذهب إلى الشرق، وإلى القسطنطينية بالذات، ليس لكي يبحث عن وحي جديد لأساطيره وقصصه الخرافية، فهو كان بدأ بكتابة هذا النوع أصلاً وهو صغير، بل وأصدر قبل الرحلة بسنتين كتابه "صور من ألف ليلة وليلة" قصص مستوحاة من ألف ليلة وليلة.