الشيعة العراقية السكانيّة وعرقنةُ الصراع السياسي"3-3"

رقم العدد: 4245 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 7/31/2018 7:11:28 PM

مقاربة لديناميات الموجة الاحتجاجيّة الرابعة

 

فارس كمال نظمي

"هل هو التاريخ الاجتماعي يتحرك اليوم في وسط وجنوبي العراق بفعل التراكمات السوسيوسياسية المجحفة بما يرافقها من آلام التغيير المولود من رحم الإحباط المزمن والقطيعة النفسية التامة بين الفرد والدولة الفاشلة؟ أم هي مؤامرة تقودها قوى "غامضة" تريد تقويض بنى الدولة "المستقرة" عبر "الاندساس" بين المحرومين المحتجين لتحريضهم على النيل العنفي من المحمولات الرمزية للسلطة، طبقاً لخطاب السلطة نفسها؟".

ما حققته الاحتجاجات: عرقنة الصراع السياسي
إلى جانب الديناميات السيكوسياسية المحركة لهذه الاحتجاجات، والمشار إليها قبل قليل، بما تقدمه ضمناً من مؤشرات عن مآلات العلاقة بين سلطة منغلقة ومجتمع مأزوم، فيمكن النظر أيضاً إلى هذه الاحتجاجات بوصفها تعبيراً غير مباشر عن تحوّل دراماتيكي في مسارات الصراع السياسي على مستوى النخب الحاكمة.
فنحن اليوم أمام مشهدٌ لاتخطئه العين: جمهور شبابي محتج، ذو نزعة يساروية اجتماعية، ينتمي للشيعة السكانية المحرومة والمحبَطة في مدن البؤس والألم، لا يرفع إلا أعلاماً عراقية ولافتات تطالب بالخبز والخدمات وفرص العمل، يفلحُ خلال أيام قليلة - دون قصد- في توحيد أغلب جماعات الشيعة السياسية اليمينية ضده، الدولتية منها واللادولتية، ممن يمسكون بمفاصل السلطة السياسية والاقتصادية والعسكرية.
هذا التوحد التضامني بين حمائم السلطة وصقورها في عش واحد، بات يتمظهر لديهم بصيغ قمعية منظمة وقصدية في تنوعها: قتلى برصاص حي، واعتقالات، وتعذيب، وقطع خدمات الانترنت والتواصل الاجتماعي. يضاف إلى ذلك خطابهم الإعلامي لشيطنة الاحتجاج بكونه مخترقاً بـ"مندسين"، وإنكارهم لحقيقة أن بعض ممارسات العنف التي صاحبت هذه الاحتجاجات السلمية في عمومها، تعدّ أعراضاً جانبية محتملة في مجتمع مأزوم ومستلب، ولا تنفي جوهر المعضلة المتمثل بالعجز الحكومي والدولتي عن تحقيق العتبة الدنيا من الخدمات والموارد الملبية للحاجات الأساسية للناس المطالبين بحقوقهم وكرامتهم.
وبين هذا وذاك، تبدو الشيعة الدينية (السيد السيستاني أكثر مراجعها تأثيراً ونفوذاً) غير راغبة بعد بحسم موقف نهائي من هذه المواجهة "الحتمية" بين الشيعة السياسية والشيعة السكانية في بلد مزقته الأسلمة الرثة والتدين الزائف والفقر المُمأسس والفساد المُقنون. ففي الأيام الأولى من هذه الاحتجاجات، حاولتْ في تصريحاتها أن تكسب وقتاً إضافياً عبر استعانتها بألفاظ فقهية متقادمة واستعارات لغوية دائرية لحث الحكومة على "خدمة" المواطنين، ريثما تتضح مآلات البوصلة. وهي بذلك كانت تمارس وظيفتها التاريخانية في "حماية" السردية الدينية لحظة المواجهة غير المحسومة وغير النهائية بين سلطة تضمحل وجمهور محتج لا يمتلك بديلاً سياسياً جاهزاً.
هذا الانتظار وكسب الوقت كان يعكس موقفاً متردداً ما بين اختيار "حكمة" التريث انتظاراً - ربما لأمد طويل- لظهور بديل سياسي قادر على ملء فراغ السلطة في حال انهيار النظام الحالي، وما بين اللجوء إلى "حكمة" الحسم تسريعاً لظهوره. وكل هذا لا ينفي التوجهات المدنية المتدرجة التي أبداها السيد السيستاني خلال السنوات الثلاثة الأخيرة بسعيه إلى إعادة طرح الدين بوصفه قيمة اجتماعية لا تتعارض مع الديمقراطية، والتعددية الفكرية، والحرية الفردية، والإصلاح السياسي، فضلاً عن دعوته إلى إصلاحات سياسية عميقة، وتجاوز المحاصصات الحزبية والطائفية، وإلغاء امتيازات المسؤولين الكبار، واتخاذ إجراءات صارمة لمكافحة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية.
ولكن مع تواصل الاحتجاجات واتضاح لحظة الاحتدام الراهنة بين الثيوقراطيا الشيعية الفاسدة والسوسيولوجيا الشيعية المحرومة، اتجه السيد السيستاني خطوة إضافية نحو "الحسم" دون أن يجعله خياراً نهائياً. فقد أدان - بعد عشرين يوماً من اندلاع الاحتجاجات على لسان ممثله في خطبة الجمعة- الاعتداء على المتظاهرين السلميين والقوات الأمنية والممتلكات العامة والخاصة. و"منحَ" الشيعة السياسية - ضمنياً- وقتاً إضافياً، إذ دعا السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية إلى "تدارك الأمر قبل فوات الأوان"، لتحقيق المطالب الخدمية العاجلة للمحتجين، وتشكيل حكومة كفاءات لا تخضع لمصالح الأحزاب، ومحاكمة الفاسدين، وإجراء إصلاح سياسي وقانوني جذري. وأوضح أن في حال تنصلهم عن كل ذلك "فلا يبقى أمام الشعب إلا تطوير أساليبه الاحتجاجية السلمية لفرض إرادته على المسؤولين، وعندئذ سيكون للمشهد وجه آخر مختلف عما هو اليوم عليه" .
وقد يُفهم من المحتوى الضمني لهذه الخطبة أن كبير مراجع الشيعة الدينية يتجه لكسب الوقت ليس إلا، لتهيئة بديل سياسي قادر على ملء فراغ السلطة، إذ تتجه قناعته نحو اليأس من قدرة هذا النظام على الاستمرار، وبالتالي ضرورة المباشرة غير المعلنة منذ الآن بإعادة هيكلة العلاقة بين الشيعة الدينية والشيعة السياسية بما يمهد لدور سياسي أساسي بديل تضطلع به الشيعة السكانية ببعدها السوسيوثقافي المستند إلى إرث مدني وحتى تكنوقراطي، في مرحلة ما بعد الإسلام السياسي الحالية.
إذن، أهو الشرخ/ الاقتتال الشيعي- الشيعي الذي حذر منه مفكرون وباحثون عديدون خلال السنوات الماضية، طبقاً لمستوى التحليل الماكروي (الفوقي)؟ أم هو أفول الهوية الشيعية السكونية بوظيفتها الإثنية المنغلقة بعد 2003، ليبزغ محلها خيار الهوية الشيعية الديناميكية بوصفها وعاءً طبقياً وطنياً يستوعب صراعات الموارد المنهوبة والمظالم الاجتماعية المُدركة، طبقاً لمستوى التحليل الميكروي (المجهري)؟ وهو بزوغ سيستدعي بالضرورة صدى مماثلاً في الهوية السنّية الديموغرافية المتأرجحة بين الاحتماء بـسردية الطائفة أو اللوذ بذاكرة الوطن.
ما يحدث اليوم أنموذج نظري فريد يستدعي التوقف البحثي العميق، لكيفية تحوّل الفاعل الديني السياسي في الطائفة الممسكة بالسلطة، إلى أداة تقمع الفاعل الاجتماعي السكاني فيها بسبب مطالب خدمية ومعيشية لا سياسية جذرية، بعد انقضاء خمسة عشر عاماً يُفترض أنها "نجحت" في تسييس الهوية وحجزها في إطار عصبوي داخل الطائفة.
ويحدث هذا التحول القمعي حتى دون أي غطاء ايديولوجي تبريري بالحد الأدنى، سوى تفعيل نظرية المؤامرة بعبارات رتيبة مكرورة عن "عنفية" المحتجين أو - في أحسن الأحوال- عن عدم قدرتهم على تطهير أنفسهم من "مندسين" غامضين يسعون إلى النيل من "هيبة" الدولة و"إسقاط" العملية السياسية "الوحيدة" الممكنة.
هذا الافتقار إلى غطاء أيديولوجي متين لتبرير القمع، يعزى إلى التآكل المتسارع في الشرعية الوظيفية للسلطة نتيجة سياساتها الهوياتية والزبائنية بالاستئثار بالريع النفطي المنهوب على حساب الأكثرية المحرومة من جانب, وإلى فقدانها لشرعيتها المُدركة في أذهان الناس بسبب خرقها التام لعقدها الاجتماعي الضمني والعلني مع المجتمع من جانب آخر.
وأمام تراجع كلتا هاتين الشرعيتين، وفي ضوء انغلاق السلطة البنيوي، وعجزها الوظيفي على تحقيق إصلاحات سياسية وخدماتية حقيقية، واستعصائها الذهني على إدراك أنماط التفكير الاحتجاجي للمجتمع الشيعي المحلي، ولجوئها إلى القسوة والإنكار والتخوين والاستئساد، باتت تنمو شرعية مدنية أخرى مستقبلية في أذهان المحرومين، تتوزع ملامحها بعيداً عن التمثلات الطائفية المُتَخيّلة، قريباً من المقايسات العدالوية الواقعية، في إطار "مظلومية" مضاعفة، على نحو سيزداد تحاملاً وراديكالية وشغفاً بالعقاب كلما طال أمد الانقطاع الحالي في التواصل الدولتي والنفسي بين الطرفين.
إن أبرز المخرجات المستقبلية للموجة الاحتجاجية الحالية، بصرف النظر عن مآلاتها الحراكية الآنية، ومن خلال تفاعلها الجدلي مع الموجات الاحتجاجية التي سبقتها، وتمتعها بتعاطف شعبي مهم في عموم العراق، تتمثل في أنها أسهمت/ ستسهمُ جوهرياً في عرقنة السياسة في هذه البلاد بديلاً عن تطييفها، وفي أنها تمثل لحظة نوعية في التاريخ السوسيوسياسي للشيعة السكانية، إذ يشرعون بإعادة إنتاج الصراع السياسي في العراق وفقاً لجدل التباينات الطبقية والثقافية المفتوحة، خارج التماثلات الهوياتية الثيولوجية المغلقة.