لـم يُحققوا ولـم يُعاقبوا المُتورطين..رايتس ووتش تتحدث عن مزاعم تعذيب في السجون العراقية يتجاهلها القضاء

رقم العدد: 4245 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 7/31/2018 7:17:05 PM

 بغداد/ متابعة المدى

ذكرت منظمة هيومن رايتس ووتش، إن العديد من القضاة يتجاهلون مزاعم التعذيب التي يتعرض لها المعتقلون
وأضافت المنظمة في تقرير لها نشر أمس الثلاثاء : إن القضاة في العراق عادة ما لا يُحققون في مزاعم ذات مصداقية بتعذيب قوات الأمن لمشتبه فيهم في قضايا الإرهاب. وكثيراً ما يتجاهل القضاة أيضا مزاعم التعذيب، ويدينون متهمين استناداً إلى اعترافات يزعم المتهمون أنهما انتزعت منهم بالإكراه.


ازداد القلق حول استخدام قوات الأمن العراقية للتعذيب بشكل كبير منذ أن نفذت الحكومة اعتقالات واسعة لآلاف المشتبه في انتمائهم إلى تنظيم ("داعش"). رغم أن العراق طرف في اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، إلا أنه ليس لديه قوانين أو مبادئ توجيهية توجه العمل القضائي عندما يزعم المتهمون أنهم تعرضوا للتعذيب أو سوء المعاملة.
وقالت لما فقيه، نائبة مديرة قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش: "التعذيب متفشٍ في النظام القضائي العراقي، ومع ذلك ليس لدى القضاء تعليمات بالتعامل مع ادعاءات التعذيب. لن يحصل المدعى عليهم، ومنهم المشتبه بانتمائهم إلى داعش، على محاكمة عادلة طالما أن قوات الأمن يمكنها تعذيب الناس دون رادع لانتزاع اعترافاتهم".
وأكدت المنظمة إنها راجعت ملفات 30 قضية أمام محاكم بغداد بين عامي 2008 و 2009، زعم فيها المتهمون تعرضهم للتعذيب، وفي حزيران وتموز 2018 حضرت 18 محاكمة جنائية في بغداد لمشتبه في كونهم أعضاء في داعش. عُرضت كل القضايا إلا واحدة على المحاكمة بموجب قانون مكافحة الإرهاب في العراق، والذي يمكن أن تصل عقوبته الى الإعدام. في 22 قضية، رفض القضاة الرد بأي شكل من الأشكال على ادعاءات التعذيب. وفي عدة قضايا أمر القاضي بإجراء فحص طبي شرعي ووجد آثار تعذيب، لكنه لم يأمر بالضرورة بإعادة المحاكمة أو التحقيق، أو مقاضاة الضباط والعناصر المسيئين.
وأضاف التقرير إنه لطالما اعتمدت السلطات العراقية على الاعترافات المُنتزعة تحت التعذيب للحصول على الإدانات. عام 2014، أفادت "بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق" (يونامي) إن "القضاة، بانتظام، لا يتخذون أي إجراء عندما يثُير المتهمون ادعاءات أمام المحكمة بأنهم تعرضوا للتعذيب من أجل إجبارهم على الاعتراف بالجرائم التي يُحاكمون لأجلها".
ويحظر الدستور العراقي "جميع أنواع التعذيب النفسي، والجسدي، والمعاملة غير الإنسانية". كما ينص على أنه "لاعبرة بأي اعتراف انتزع بالإكراه، أو التهديد، أو التعذيب، وللمتضرر المطالبة بالتعويض عن الضرر المادي والمعنوي الذي اصابه، وفقاً للقانون". بحسب قانون أصول المحاكمات الجزائية، لا يجوز الحصول على الاعتراف من المتهم من خلال "إساءة المعاملة والتهديد بالإيذاء والإغراء والوعد والوعيد والتأثير النفسي واستعمال المخدرات والمسكرات والعقاقير". ويمنح قانون أصول المحاكمات الجزائية القضاة سلطة تقديرية كاملة لتحديد ما إذا كان اعتراف المدعى عليه مقبولاً، حتى لو أنكره المتهم. كما يعطي هذا القانون المسؤول حصانة فعالة من المقاضاة، باشتراط موافقة من "الوزير التابع له" لإحالته على المحاكمة.
وتحدثت هيومن رايتس ووتش مع 3 قضاة كبار و5 محامي دفاع خاصين في بغداد. حيث قال المحامون إنه في غياب قوانين أو مبادئ توجيهية بشأن مزاعم التعذيب، وموجب الحظر الدستوري للتعذيب، على القاضي أن يأمر بإجراء فحص طبي شرعي لتحديد ما إذا كان المتهم قد تعرض للتعذيب. إذا كان الأمر كذلك، على القاضي نقل المتهم من الحبس الاحتياطي لدى الضابط المخالف، وإلغاء الاعتراف، والأمر بإعادة المحاكمة، على النحو المطلوب بموجب "قانون العفو" العراقي لعام 2016.
واضاف المحامون إن القضاة نادراً ما يأمرون بإجراء فحص طبي شرعي للتحقيق في التعذيب. وإذا أمر القضاة بتقرير الطب الشرعي، فنادرا ما يأمرون بإعادة المحاكمة.
وأكد المحامون إنهم نادراً ما ينجحون في الاستناد إلى قانون العفو في قضايا الإرهاب للحصول على إعادة المحاكمة عندما يزعم المشتبه بهم تعرضهم للتعذيب. وفي قضية استثنائية، قال محام إنه استطاع الحصول إطلاق سراح معتقل باستخدام قانون العفو لأن عائلة الضحية شهدت نيابة عن المدعى عليه بأن قوات الأمن ألقت القبض على الرجل الخطأ.
وقال المحامون إن القضاة لم ينقلوا المشتبه بهم من عهدة العناصر المتهمين. أي مشتبه به يشهد في المحكمة بأن المحققين عذبوه قد يتعرض للتعذيب مجدداً عند عودته إلى السجن لمواجهة نفس الحراس.
وقالت المنظمة في تقريرها إن القلق بشأن تجاهل القضاة مزاعم التعذيب يتجاوز محاكم بغداد. في محافظة نينوى، التي تضم مدينة الموصل، قال قاض لـ هيومن رايتس ووتش في تموز 2017 إن "العديد" من المشتبه في انتمائهم إلى داعش زعموا أمام المحكمة تعرضهم للتعذيب، وإنه أمر بإجراء فحص طبي في كل حالة – لكنه لم يُقدم أي تفاصيل بشأن النتائج واعترف بأنه لم يُحقق أبداً أو يعاقب المحققين. في يوليو/تموز 2018، قال 6 محامين في محكمة مكافحة الإرهاب في نينوى لـ هيومن رايتس ووتش إنه بينما تنتشر مزاعم التعذيب من قبل المتهمين، فإنه لا علم لهم بأي قضية تم فيها التحقيق مع المحققين.
قالت هيومن رايتس ووتش إن على السلطات القضائية التحقيق في جميع المزاعم ذات المصداقية بشأن التعذيب ومع قوات الأمن المسؤولة. على القاضي أن يأمر بنقل المعتقلين إلى مراكز مختلفة فورا بعد أن يزعموا تعرضهم للتعذيب أو سوء المعاملة، لحمايتهم من الانتقام.

الحصول على محام أثناء الاستجوابات وجلسات التحقيق
من جانبهم قال محامون في قضايا الإرهاب إنهم لم يُسمح لهم بحضور استجواب موكلهم من قبل رجال الأمن، على عكس موكلين متهمين بجرائم أخرى. وهذا يحد من قدرتهم على المرافعة نيابة عن موكليهم، بما يشمل تقديم ادعاءات التعذيب. وقالوا إن الوصول إلى المشتبه في صلتهم بالإرهاب مستحيل تقريباً إلا أثناء جلسات المحكمة، رغم أنها تتفاوت حسب قوات الأمن والموقع. وأشاروا إلى عدد قليل من الحالات التي استطاع فيها محامون أو عائلات ثرية على رشوة ضباط للسماح بالاتصال مع المعتقلين.
وتنص المادة 128 من قانون أصول المحاكمات الجزائية على أنه، في غضون 24 ساعة بعد الاعتقال، على أحد المحققين الحصول على اعتراف أولي من المدعى عليه، يُوقع عليه المدعى عليه، ويمده المحقق للقاضي ضمن ملف القضية. ثم على القاضي استجواب المدعى عليه للحصول على اعتراف ثان يؤكد المعلومات المتواجدة في ملف القضية والتهم. على المدعى عليه والقاضي التوقيع على الاعتراف.
وأكد المحامون إن هذا الإجراء لا يُتبع. في بعض الحالات، يأخذ المحقق الاعتراف الأولي مباشرة إلى القاضي، أو يزور القاضي السجن ويوقع على الاعتراف الأولي. وفي حالات أخرى، يُحض الضباط المدعى عليه إلى المحكمة، وقبل دخول قاعة المحكمة، يجبرون الشخص على توقيع ورقة بيضاء. ثم تجري جلسة الاستماع أمام القاضي، وبعد ذلك يأخذ الحراس المدعى عليه إلى خارج القاعة، ويوقع القاضي الاعتراف الذي دونه كاتب المحكمة أو القاضي، الذي قد لا يعكس ما تم الكشف عنه خلال الجلسة. قال أحد المحامين إنه مثل مُوكلاً عمره 30 عاماً اعتقل في منزله في بغداد في آب 2015 من قبل اللواء 54 التابع للجيش. أخبر المتهم لاحقاً محاميه بأن الجنود احتجزوه في سجن مطار المثنى، وأوهموه بالغرق حتى اعترف بارتكاب 3 هجمات إرهابية مزعومة عام 2007. وبعد اعترافه ونقل قضيته من المحكمة الجنائية المركزية في الكرخ، بغداد، إلى المحكمة الجنائية المركزية في الرصافة، بعد 6 أشهر، طلب المحامي فحص طبي شرعي.
كان يعلم إن التقرير سيكون متأخراً جداً ليكون دقيقاً، لكنه أخبر القاضي عن الإيهام بالغرق. قال المحامي إن القاضي تجاهل المعلومات. اتصل المحامي بشرطة بغداد بشأن الحوادث التي اعترف بها موكله، وقال إن الشرطة أجابت بأن حادثاً واحداً منها فقط وقع. وقال المحامي إنه استطاع أن يثبت للقاضي إن هجمتين لم تحدثا قط، وأن الهجمة التي وقعت في آذار 2007، وقعت أثناء وجود موكله في السجن. وضمن الإفراج عن موكله.
في حكم صدر عام 2009، أشار القاضي إلى تقرير الطب الشرعي الذي وجد ندوباً تتسق مع التعذيب، لكنه أيد الإدانة بالاعتماد على ما اعتبره ملف القضية دليلاً آخر. توصلت المحكمة إلى ما يلي: دونت أقوال المتهمين فاعترفوا [بما] أسند إليهم أمام القائم بالتحقيق وقاضي التحقيق وتراجعوا عن اعترافهم أمام هذه المحكمة مدعين بتعرضهم إلى التعذيب واطلعت المحكمة على التقرير الطبي للمتهمين [...] بخصوص تعرضهم إلى التعذيب كما اطلعت على الكشف والمخطط على محل الحادث بعد التدقيق تبين أن الأدلة المتحصلة ضد المتهمين تكفي لإدانتهم وفق مادة الاتهام كونها تمثلت بأقوال المشتكي والتي تعززت بأقوال الشهود. وقال المحامي إنه نجح في أن يُحكم على المتهمين بالسجن 15 سنة بدلاً من المؤبد بسبب استخدام التعذيب.
ومن جهة اخرى قال محامون إن الرشوة شائعة في النظام القضائي، واعترفوا برشوة ضباط الأمن والقضاة لضمان إطلاق سراح موكليهم أو معاملتهم معاملة أفضل. في مرحلة التحقيق، تتحكم النيابة العامة في جميع وثائق القضية، بما فيها تقرير للفحص الطبي الشرعي. وقال المحامون إن عليهم طلب الحصول على الوثائق من قاضي التحقيق. في بعض الأحيان يرفض القاضي، وحتى إذا سمح القاضي بالوصول إلى الوثائق، فإنه عادة ما يكون لفترة محدودة فقط. قال المحامون إنهم عموماً يستطيعون فقط الحصول على نسخ من الوثائق الرئيسة اللازمة لتكوين دفاع، بما في ذلك تقرير الطب الشرعي، عن طريق "الواسطة أو دفع رشوة"، على حد تعبير أحدهم. وهذا يجعل الأمر أكثر صعوبة بالنسبة لهم لاستخدام فحوص الطب الشرعي في دفاعهم عن موكلهم.

رفض الاعتراف بادعاءات التعذيب
في 16 من أصل 18 محاكمة رصدتها هيومن رايتس ووتش لمتهمين بالانتماء إلى داعش في بغداد العام الماضي، زعم المتهمون إنهم تعرضوا للتعذيب، بما في ذلك لغرض انتزاع اعترافات بالقوة. لم يتخذ القضاة أي إجراء على أساس تلك الشكاوى، رغم أنهم في بعض الحالات طلبوا من المتهمين في قاعة المحكمة الكشف عن علامات التعذيب. قال أحد المحامين إنه رصد 4 محاكمات على الأقل في العام الماضي قال فيها القاضي إن مزاعم التعذيب لم تكن ذات مصداقية، لأن الإكراه كان سيجعل المتهم يعترف بدور أهم في تنظيم داعش.
رصدت هيومن رايتس ووتش محاكمة بمحكمة الجنايات المركزية ببغداد في حزيران لمتهم عمره 35 عاماً احتجز في 2017 بتهمة ارتكاب هجوم بعبوة محلية الصنع في بغداد، أخبر القاضي بأن اعترافه كاذب وأن المحقق الذي استجوبه كسر كلتا يديه. تجاهل القاضي طلب المتهم بفحص يديه، لكنه أمر في وقت لاحق بالإفراج عنه عندما قدم محاميه تقريراً للشرطة يثبت أن الهجوم المزعوم لم يحدث قط.
في تموز 2018، أخبر أحد المتهمين القاضي في محكمة الجنايات المركزية ببغداد بأنه تعرض للتعذيب لانتزاع الاعتراف منه، لكن القاضي تجاهل شكواه، بحسب مراقبين مستقلين في المحكمة. قال المتهم إن الشرطي الذي عذبه أجبره على التوقيع على اعتراف وهو معصوب العينين ومقيد اليدين. رفض القاضي طلبه السماح له بأن يبرهن له بأن توقيعه الحقيقي مختلف تماماً. قال أحد المراقبين: "لم يُبد القاضي أي استجابة للإلتماس، فقط أدانه وحكم عليه بالإعدام".
قال أحد المحامين إن موكله، وعمره 30 عاماً، احتُجز على يد اللواء 54 بالجيش ببغداد في كانون الأول 2015. يعتقد الرجل، وهو موظف في البلدية، أنه استُهدف لاعتراضه على ثقافة الفساد ورفضه قبول الرشاوى. وأخبر محاميه أنه عندما أُلقي القبض عليه، وضع الجنود كيسا بلاستيكيا على رأسه واقتادوه إلى سجن مطار المثنى، وضربوه وعلقوه بحبل لمدة 10 ساعات. قال محاميه إنه عرض أمام قاضي التحقيق بعد 10 أيام:
أبلغني صديق لي يعمل في المحكمة ببدء المحاكمة، لكني خفت من تمثيل المتهم وتعريض نفسي للخطر، فحضرت المحاكمة كمراقب. قال موكلي الذي عُين له محام من الدولة للقاضي إن اعترافه انتزع منه تحت وطأة التعذيب. لكن القاضي تجاهل ذلك تماماً، بل الأسوأ من ذلك أنه بعد مراجعة الملف، أمر بـ "التعمق بالتحقيق".
قال المحامي إنه فهم أمر "التعمق بالتحقيق" على أنه ضوء أخضر للمحققين باستخدام التعذيب. قال العديد من المحامين إن هذه عبارة شائعة يستخدمها القضاة في المحكمة إذا لم يكن هناك دليل ملموس يدين المتهم، وإذا كانوا يريدون من المحققين ممارسة المزيد من الضغط. قال أحد المحامين إن أحد القضاة أمر بـ "التعمق بالتحقيق" بكتابة العبارة على ملف إحدى قضاياه.
أبلغ هذا المتهم البالغ من العمر 30 عاماً الذي صدر بحقه أمر "التعمق بالتحقيق" محاميَه في وقت لاحق بأن المحققين عذبوه بشدة خلال الأشهر الثلاثة التالية. قاموا بإدخال قضيب معدني في شرجه وصعقوه بالكهرباء وضربوه للحصول على اعترافات بجرائم متعددة. أُحضر المتهم إلى المحكمة مرتين أخريين خلال تلك الفترة، المرة الأولى بتهمة المشاركة في عمليتين إرهابيتين، حيث أخبر القاضي من جديد بأنه تعرض للتعذيب لكن تم تجاهله، ثم بتهمة ارتكاب 5 أعمال إرهابية. قال المحامي إنه اعترف في تلك الجلسة بالأعمال الإرهابية الخمسة، ثم نُقل إلى سجن آخر.
عند هذه المرحلة، مثله المحامي رسمياً وطلب من القاضي أن يأمر بتقرير طبي. وقد أكد التقرير تعرض عظامه لكسور وتعرضه لسوء المعاملة، لكن لم يُسمح له بالاطلاع على التقرير إلا لفترة وجيزة في المحكمة، ولم يُسمح له بالحصول على نسخة منه. اتصل المحامي بشرطة بغداد وتأكد من أن الهجمات الإرهابية الخمس المزعومة التي اعترف بها المتهم لم تحدث قط. في يونيو/حزيران 2017، أمر قاض بعد مراجعة تقرير الشرطة بإطلاق سراح الرجل، قائلاً بغياب أدلة كافية لإدانته. وقال المحامي إن القاضي لم يتخذ أي إجراءات للتحقيق في مزاعم التعذيب.