هل نحن دولة فاشلة في نظر المعايير الدستورية ؟

رقم العدد: 4246 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 8/1/2018 6:20:41 PM

هادي عزيز علي

يقول نعوم تشومسكي في كتابه "الدول الفاشلة": (في الوثائق المستعرضة في أوسع وأشمل دراسة للتبريرات التي أعطيت لغزو العراق بقلم: جون برادوس، حتى مصطلحات مثل الديمقراطية لا وجود لها في فهارسها..).

لدينا عدة دورات انتخابية منذ سنة 2005، تنزع إعلامياً الى بناء الديمقراطية معتمدة على صناديق الاقتراع للوصول الى السلطة وضمن آليات انتخابية اعتمدت مرجعيات قانونية تتعلق بنظم الانتخاب والتصويت وتوزيع المقاعد، فضلاً عن الإدارة الانتخابية المتمثلة في المفوضية العليا المستقلة للانتخابات المنظم عملها بقانون صدر بهذا الشأن. هذا الحراك والنشاط السياسي المنظم بمجموعة التشريعات تلك المستلة أحكامها من نصوص الدستور، أفرز لنا النظام السياسي الذي نحن فيه واتسم بسمات عدة تلمّسها المعني بالشأن السياسي وغير المعني أيضاً، والتي أصبحت متلازمة معه وفي كل النشاطات التي يمارسها. وفي مقالنا هذا نحاول الوقوف على أهم تلك السمات بغية الخروج بتوصيف قانوني لهذا النظام السياسي :
السمة الأولى، العجز عن تأمين الأمن للمواطنين: طيلة العقد والنصف عقد المنصرم عجز النظام السياسي عن تحقيق الأمن للناس. احصائية بسيطة خلال هذه الفترة للذين فقدوا حياتهم أو تعوقوا أو قيّدت حرياتهم في غياهب السجون أو شردوا أو هجروا أو نزحوا أو همشوا وما ترتب على ذلك من آثار تتمثل في اعداد الأرامل واليتامى وبؤس الحياة، كلها تؤشر حجم الكارثة التي خرجت من تحت عباءة النظام السياسي المفترض فيه العمل على حماية حق الإنسان في الحياة والأمن الذي اشترطه الدستور في المادة 15 منه مع كفالة الدولة لحماية ذلك الحق والحيلولة دون المساس به.
السمة الثانية، عجز الدولة عن احتكار السلاح: انتشر السلاح بشكل غير مألوف خارج مؤسسات الدولة وكثرت الميليشيات المسلحة بشتى صنوف الأسلحة بما فيها الثقيلة، حتى غدت تبز الدولة وتتجاوز على المؤسسات العسكرية، وتتمرد على أوامر الدولة، وأدخلت الناس في حالة الخوف والفزع المستمر منها وتمكنت من البطش بمواطنين من دون رقيب أو رادع . ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فمع الوهن الذي أصاب المؤسسات، حدث انفلات لدور العشائر بكثيف سلاحها فارضة أعرافها وعاداتها في تحد سافر للمنظومة القانونية وعلى مسمع ومرأى النظام السياسي حتى شعرنا اننا ما زلنا نرزح تحت مرحلة ما قبل الدولة. كل ذلك يحدث خلافاً لأحكام الدستور الذي يحظر تكوين ميليشيات عسكرية خارج اطار القوات العسكرية والواردة نصاً بحكم المادة 9 من الدستور وبفقراتها المتعددة ، ويمنع الأعراف العشائرية التي تتنافى مع حقوق الإنسان، المادة 45 / ثانياً من الدستور .
السمة الثالثة، عجز النظام السياسي بامتياز عن توفير الخدمات العامة: كالكهرباء والماء والنقل الآمن، والتي مست حياة المواطنين رجالاً ونساءً شيوخاً وأطفالاً، فضلاً عن أمهاتهم، وعدم توفير فرص العمل، مما كان مدعاة للتظاهرات والاحتجاجات التي انطلقت منذ بداية تموز المنصرم وتستمر لغاية الآن، واقدمت عليها مجاميع الشباب الغاضب والناقم على الأوضاع في محافظات الجنوب والوسط وبغداد، فضلاً عن تردي الخدمات الصحية في مؤسسات الدولة الصحية وقلة الدواء ورداءة المتوفر منه، هذا كله يحدث بشكل مخالف لأحكام الدستور الذي كفل حماية الطفولة والأمومة والشيخوخة ولزوم رعاية النشيء والشباب الواردة أحكامه في الفقرة ب من المادة 29 من الدستور، فضلاً عن أحكام المادة 30 منه المتضمنة المقومات الأساسية للعيش الكريم والحياة الحرة، إضافة الى أحكام الرعاية الصحية الواردة في المادة 31 منه .
السمة الرابعة، الحد من حرية التعبير: حرية التعبير مكفولة للمواطنين، إذ وردت احكامها ضمن الفصل الثاني من الدستور، وهي بالتاكيد ليست منّة أو منحة من النظام السياسي للمواطن بل حق من حقوقه، إلا أن النظام السياسي سرعان ما كشّر عن أنيابه المتسخة وتصدى لجماهير الشباب المحتجة بالغازات المسيلة للدموع والرصاص الحيّ، وتنمرت قوى الأمن الحكومية على مطالب المواطنين، فقُتل من قُتل وأودع من أودع في المعتقلات وشرّد من شرّد، لا لشيء إلا لأن المحتجين قد أخبروا النظام السياسي بحالة الجوع التي هم فيها وما يعانونه من تردي الخدمات العامة، فقد تمادى النظام في استعمال القوة المفرطة ضد الشبيبة المحتجة، خلافاً للأحكام الدستورية التي ألزمت الدولة بكفالة حرية التعبير عن الرأي بجميع الوسائل وحرية الاجتماع والتظاهر السلمي الواردة احكامها في المادة 38 من الدستور، والمفارقة أن أجهزة النظام تظهر على الفضائيات معلنة تضامنها مع مطالب المتظاهرين، إلا أنهم في ساحات التظاهر نمور شرسة .
السمة الخامسة، عدم التقيّد بالاتفاقيات والمواثيق والعهود الدولية: يُعد العراق من اكثر الدول تصديقاً على الاتفاقيات الدولية الشارعة المتعلقة بحقوق الإنسان في محيطه الإقليمي، وصدور قوانين التصديق لها من قبل السلطات التشريعية حينئذ، إلا أن المشكلة في عدم فاعلية تلك الاتفاقيات على الصعيد التطبيقي رغم كونها تعالج الكثير من المشكلات المستفحلة والمزمنة التي يعانيها المجتمع، مع ملاحظة النأي من قبل الأحزاب الدينية عنها، وسماع الحديث الهامس الذي يدور بينهم في حالات الخلوة، مفاده أن تلك الاتفاقيات والعهود صناعة غربية لا تتلائم وأحكام الشريعة الإسلامية، غير مدركين أن مجرد التصديق عليها ونشرها في الوقائع العراقية جعل منها قوانين عراقية ملزمة تضاف الى النسيج التشريعي العراقي. وكمثال على هذا النأي أن لجنة "سيداو" التابعة للأمم المتحدة أصدرت توصيات الى الجانب العراقي سنة 2014 تلزمه بتنفيذها لتعلق موضوعها بحقوق المرأة، إلا أن الحكومة العراقية لم تنفذ اية توصية منها حسب التقرير المنظم هذه الأيام، وهذا يعني أن النظام السياسي ليس مع الشرعية الدولية لحقوق الإنسان، رغم أن العديد من الحقوق والحريات التي تضمنتها التشريعات الدولية والمصادق عليها من قبل العراق هي ذات الحقوق والحريات التي تضمنها دستور 2005 .
هذه بعض السمات التي يوصف بها النظام السياسي الحالي والمبنية على الخروق الدستورية، وهي كافية لإطلاق صفة الدولة الفاشلة على الدولة العراقية الحالية، ويعزز هذا ما استقرت عليه البحوث الفقهية الدستورية في العالم وفي محيطنا الإقليمي، فضلاً عن الأحكام القضائية الدولية الصادرة بهذا الخصوص، فالدولة غير القادرة على حماية مواطنيها، والعاجزة عن لجم الميليشيات المنفلتة والمانعة لوصول الخدمات بما في ذلك الماء والكهرباء، والخانقة لحرية التعبير والتظاهر السلمي، والواقفة بتحد ضد حقوق الإنسان، ما هي إلا دولة فاشلة استناداً لأحكام الدستور .