ليس حكومياً فقط...

رقم العدد: 4247 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 8/4/2018 5:52:31 PM

 د. لاهاي عبد الحسين

"للحقيقة أكثـر من وجه"، هذه مقولة يتعلمها طلبة العلوم الإنسانية وبخاصة في علم الاجتماع منذ بدايات تمرسهم لإمتهان العلم كقاعدة أساسية وطريق حياة. وهذه القاعدة هي نفسها التي تبرر أنْ يكون هناك أكثـر من نظرية وتوجه فكري في مجال العلوم الإنسانية بسبب الطبيعة المتغيرة والمبتكرة للظاهرة الاجتماعية والسلوك الفردي سواء في الماضي أو الحاضر. ولعل الوقوع باللائمة على طرف معين دون غيره كالأبوين أو العائلة أو الحكومة هو أحد الثمار السيئة لطرق التفكير والقياد الإستبدادي الذي يركز على عامل واحد يسهل معالجته وإلقاء التبعة عليه.

وقد إستشرت ظاهرة أنْ يلقي الأفراد تبعة أخطائهم على أطراف أخرى في المجتمع العراقي في ظل أنظمة سياسية تبنت الإشتراكية كنظام كما حدث قبل 2003 لأكثر من أربعين عاماً علماً بأنّ النظام لم يأخذ من الإشتراكية غير مفهوم "دكتاتورية الدولة". فكان أنْ عبأ جهوده لتطبيقه وتعزيزه دون إهتمام بالجوانب الأخرى ذات الصلة كالتعاون والمشاركة وبناء جسور الثقة ورعاية مصلحة الجماعة وإحترام حرية الفرد والمحافظة على كرامته وما إليها. وفي الوقت الذي يوجه الإهتمام فيه إلى الجوانب الأخرى غير الرسمية كالعائلة والعشيرة وبالتالي الفرد فقد إهتم النظام السياسي بالتعبئة والدعم لتعزيز سلطته وبالتالي بسط هيمنته على المجتمع. وربط ذلك النظام محدود التفكير كل شيء به فكان أنْ صارت الدولة صاحب العمل الأكبر وصاحب رأس المال الأكبر وإرتبط كل شيء بها دون إهتمام يذكر بنوعية الأداء حتى تحولت الصحف إلى ما يشبه أنْ تكون نسخة طبق الأصل لواحدة تقودها إنّما بتسميات متنوعة. وعمل النظام لمحدوديته وضيق أفق القائمين عليه على محو أي أثر للتباين والإختلاف حتى بلغ الأمر أنْ أعتبرت الجماعات العرقية المختلفة المتعايشة في العراق مثلاً تابعة للجماعة العرقية الأكبر – العرب- ما داموا يعيشون معهم، هكذا بجرة قلم. وأجهضت إرادة الأحزاب السياسية لتخضع للمطاردة والملاحقة وتمّ التعتيم على المؤسسات الدينية وفرض ما تريده الدولة. فكانت النتيجة التي فشل المستبدون بإستباقها أنْ حمّل المواطنون وزر التخلف والفساد والتردي بكل أشكاله القديمة والحديثة، التقليدية والمبتكرة على السواء إلى الحكومة حصراً وتعاملوا معها بإعتبارها الراعي والمسؤول.
هذه آفة اجتماعية تتطلب الإلتفات إليها لمعالجتها ليس من خلال مبادرات "المواطن القدوة"، التي تصلح لتحفيز وتشجيع طلبة المدارس الإبتدائية والمتوسطة فحسب، وإنّما من خلال تنشيط وعي المواطن المستقل ليدرب على إكتساب الشجاعة الأدبية والاجتماعية ويسائل نفسه عما فعله ويفعله من أجل بلده ومجتمعه. فالحكومة بالنهاية وسائر مؤسسات الدولة تعتاش بشرياً على هذا المجتمع ومنه وفيه. عندما لا يكون المجتمع بعديد أفراده واعياً ومدركاً لأهمية المسؤولية الفردية التي يتحملها فإنّه يصبح شريكاً بكل ما يحصل من تجاوزات وإنتهاكات.
لقد صار من قبيل الشائع والمكرر القول إنّ لدينا منظومة قانونية ممتازة ومعرفة نظرية وإطلاع واسع على النماذج الجيدة للسياسة والإدارة في الأمم الناجحة ولكنّ هذه تصطدم بسوء التطبيق وطريقة التنفيذ من قبل الأفراد المعنيين القائمين عليها في مختلف المجالات. نعرف على سبيل المثال، أنّ للأستاذ الجامعي والشخص الأكاديمي سمات معينة لعل في مقدمتها أنْ يكون عالماً مطلعاً ومحيطاً في مجال اختصاصه. بيد أنّ المعرفة والعلم وحدهما لا يكفيان. فالتدريسي الذي يشتت إهتمام الطالب وتوجهه من خلال الخروج عن الموضوع ويسرق من وقت المحاضرة بطريقة التأخر عن الحضور إلى قاعة الدرس في الوقت المحدد أو يتشاغل عن المادة العلمية بإثارة النقاشات الجانبية مما لا صلة مباشرة له بالموضوع أو التركيز على بعض الطلبة دون غيرهم. هذا الأكاديمي لا يختلف عن السياسي الفاسد الذي يطالب المجتمع بمحاسبته. تنقل وسائل التواصل الاجتماعي وما يتداوله الناس على مستوى العلاقات الخاصة والعامة نماذج مروعة لأداء أطباء تسببوا في إعاقات بدنية أو حتى وفيات لمرضى كان يمكن معالجتهم بسبب الإهمال وعدم الإنضباط والإستهانة بقواعد السلوك المهني التي تشتمل على إظهار المودة والرعاية والإهتمام إلى جانب المعرفة والتمكن الفني اللازم. وذلك الكاتب الذي يكتب تاركاً القارئ بشعور أنّه لم يقرأ شيئاً منه بسبب النمطية والميل إلى النسخ تماماً كما يفعل الكثير من أصحاب العناوين البراقة والمتغيرة على عجل من ضيوف القنوات التلفزيونية والإعلامية المتنوعة. وأولئك المحامون الذين يغلقون هواتفهم بعد إستلامهم ثلاثة أرباع المبلغ المتفق على تسليمه لقاء أتعاب متابعة قضية يتعهدون بالمرافعة عنها. وهذا عامل البناء الذي يمتنع عن العمل في مواسم معينة بدعوى الإنشغال بأداء الطقوس الدينية أو التهيؤ للعيد وما إليها من المناسبات الإعتيادية. وبلغ الأمر عمال النظافة ممن صاروا يتصرفون تصرف مدير العمل ليس من حيث الضبط والربط والمتابعة والحضور الفاعل والمؤثر وإنّما من خلال التماهي والتكاسل والتغاضي عما يجب القيام به مستمتعين بسلطة لا رقيب عليها. لا عجب والحالة هذه أنْ تسود حالة من الوجوم والتسليم لكل الإحتمالات من قبل المواطن العراقي طالب الخدمة والمؤهل لنيلها دون منّة أو فضل.
يتحمل الفرد مسؤولية كبرى فهو بصمة التميز التي يمكن أنْ يطلق عليها "إيقونة" العمل أو "علامته الفارقة"، من خلال الأداء والإنجاز وليس من خلال التعكز على العنوان الوظيفي واللقب المهني. فالدولة والحكومة جهة مركزية تتكون من تنظيمات مترابطة تمارس الضبط والسيطرة على حركة المجتمع. وهي تظهر في مجتمعات كبيرة ومعقدة بصيغة تشكيلات رسمية تأخذ إسم مؤسسات متخصصة ومتعددة ولكنها بالنهاية مكون بشري اجتماعي يسترشد بمنظومة قوانين ومسلمات أخلاقية يتوقع أنْ يتصرف المشتغلون فيها تبعاً لها تجاه مواطنيهم وطالبي الخدمة منهم. ولعل في شيوع حالات الترهل وإنعدام الإنضباط والقيام بالواجب على مختلف المستويات وربما الصغيرة قبل الكبيرة هو الذي أدى بكثيرين إلى التعبير عما يسمونه "غسل اليد"، من إحتمال الإصلاح عن طريق مبادرات متنوعة ومنها "حكومة التكنوقراط". يحصل هذا عندما ينهار مستوى الأداء الفردي ليكون منسجماً مع مستوى الأداء السائد دون السعي لتسجيل "براءات إختراع" فردية تعترف للقائمين بها بالإسم وتمنحهم الشرف ودرع التميز على الرغم من خبط ما يجري على مستوى الحياة العامة التي يعيش الناس في خضمها. ناهيك عما يمكن أنْ يقال بشأن الأكاذيب والتلاعب بالحقائق حتى فقدت الكلمة مصداقيتها وصار المواطن ينسحب أكثر فأكثر إلى قوقعاته باحثاً عمن يثق به فردياً وشخصياً مما يعبر عن العجز العمومي ولا يبشر بالكثير من الخير.
الغريب أنْ يتباهى كثير من أمثال هؤلاء بشهادات التخصص التي يحملونها أو كتب الشكر والتقدير التي يحصلون عليها وعدد الورش التدريبية التي يشاركون فيها حتى يبدو وكأنّ البلد خلية نحل منتجة ودافقة بالحياة. ولكن الصدمة تتجلى بمجرد التماس مع خدمة صحية مطلوبة أو دراسة علمية يروم الشاب الحصول عليها أو مسألة قانونية يريد التثبت منها أو إستخدامها للدفاع عن حق أو إنتزاعه. وفيما يحاول بعض الأفراد الإدعاء بالنجاح والتفوق من خلال "نفخ" بعض النشاطات الروتينية التي تقع في صلب عملهم في مجتمعات تبحث عن حلول حقيقية ومتكاملة وليس حلولاً ترقيعية وجزئية فإنّ الأفراد لدينا من موظفين ومسؤولين يدأبون على التصرف بما درجوا عليه ويحيلون أي نقد أو تمرد يحدث عليهم إلى "المدير" أو "الرئيس" الذي لا سبيل إلى الوصول إليه أو التعرف عليه لأنّه من نوع الأشخاص الذين لا وجه لهم ممن يتخندقون خلف جدار سميك من القواعد والتعليمات غير المعبر عنها بشفافية ووضوح .
يشق الأفراد المتميزون طريقهم ويكسبون أنصاراً لهم شأنهم شأن الأفراد المتميزين في أي مجتمع كان ولكنّهم في العراق قلة مما يفسر سبب الولع بشخصيات متفردة يجدها الناس إستثنائية وخارج المألوف. معروف أنّه عندما يشيع النموذج الناجح والمسؤول لن يكون هناك مبرر للتعلق بالبعض القليل أو الإشادة فوق الإعتيادية بالنادر منهم. إنّها مسألة وعي ذاتي وشعور بالمسؤولية الفردية وإلتزام وطني وأخلاقي يصنعه الفرد وليس الدولة أو الحكومة. بل يمكن للأفراد الفاعلين ممن يتحصنون بالشعور العالي بالمسؤولية أنْ يكونوا عامل ضغط مهم لتحسين مستوى الأداء كما في الطلبة الذين لا يلتمسون الأعذار لغياباتهم ويحرصون على الحضور المبهر والضاغط في قاعات دروسهم أو المرضى الذين لا يستسلمون لسوء المعاملة أو المواطن الذي يطالب بأنْ تحترم حقوقه كما يحترم هو واجباته. هذه أمور لا تحققها حكومة تتشكل من أشخاص يتوسمون مواقع بيروقراطية يحتمون خلفها من النقد والإساءة على مستوى الأداء وضعف الإنتاج وتباطؤ العمل في أحسن الأحوال بل يحققها أفراد يطالبون بحقوقهم ويعرفون حدودهم ويدركون أنْ لا منّة لأحد عليهم شريطة أنْ يؤدوا الجزء الخاص بهم بالمسؤولية والإلتزام الكافي. للتمرد والرفض والإستنكار أشكال منها مقاومة التلاعب بالواجب والتحايل على النظام والتواطؤ للإضرار بمصالح المراجعين أو المستفيدين من المواطنين. أما التزلف والمجاملة وغض النظر فهي كل ما يهم المسؤول الفاسد والسيئ ويوفر مبررات بقائه في المنصب أو الوظيفة.