العراق وتبعات الوضع الإقليمي

رقم العدد: 4257 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 8/25/2018 10:54:07 AM

¨ د. أثير ناظم الجاسور

  معطيات الأحداث

النقطة التي ينطلق منها الرئيس الأميركي ترامب نابعة من تفكيره وإيمانه بقدرة بلاده وما تقدمه من وجهة نظره ونظر إدارته خدمة للعالم والتي تعكس عظمتها وسيطرتها على مدخلات ومخرجات القرار العالمي. أما الطرف الأخر، فيرى أن جُل ما تفعله الولايات المتحدة أنها تستخدم سياسة تدمير الشعوب وسلبها كرامتها وحريتها تحت مسميات الديمقراطية وحقوق الإنسان.

 ومن يراقب ويقرأ معطيات الأحداث يجد أن هناك سيناريوهات تتكرر بين الحين والآخر في تعامل أميركا مع خصومها وبعض من حلفائها المتمردين على سياساتها منذ انتهاء الحرب الباردة ولغاية اليوم، قد تختلف الأدوات المستخدمة، لكنها بالنتيجة تعطي ذات الهدف وهو السيطرة على مناطق يراها التفكير الستراتيجي الأميركي مهمة في مراحل قادمة من عملية التحول التي قد تطرأ على النظام العالمي في أي وقت، إلى جانب أنها تعمل على نشر عقيدتها السياسية والاقتصادية التي من خلالها تستطيع أن تحارب بهما خصومها الأقوياء، فهي إذاً تعمل وفق ما يمليه عليها نسقها العقائدي الرامي إلى تحقيق مصالحها وأهداف أمنها القومي الذي تسعى في كل مناسبة للتذكير به والمضي من أجل حمايته.

قد يحاول ترامب من خلال إجراءاته المتبعة ضد إيران وتركيا إضعافهما سياسياً بضرب اقتصادهما بزيادة التعريفات وفرض العقوبات عليهما وعلى أي طرف آخر ينوي مساعدتهما، لكن هذا لا يعني أن دولاً كإيران وتركيا تترك هذه الاجراءات تمر بهذه السهولة التي يتصورها الرئيس ترامب أو الإدارة الأميركية بشكل عام وحلفاؤهما بشكل خاص، ونقصد حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، ولا أيضاً القوى المنزعجة من هذه القوة الأميركية المفرطة في حل القضايا الدولية، وبخاصة القوى الأوروبية والآسيوية. والواقع أيضاً يقول إن لتركيا وإيران اكثر من خيار للمناورة سواء من خلال ضرب المصالح الأميركية وتعريضها للخطر من قبل أذرع هاتين الدولتين في مناطق جغرافية مختلفة في الشرق الأوسط خصوصاً، وهي أذرع تنسجم فكرياً وعقائدياً مع المتبنيات الإيرانية والتركية، أو من خلال تغيير سياسات التحالفات مع خصوم الولايات المتحدة التي تسعى للرجوع الى هذه المنطقة الحساسة. وفي هذه الحالة فإن الولايات المتحدة بقوتها الصلبة أم الناعمة ستصبح عقوباتها ليست ذات جدوى خصوصاً وأن مصالحها ستكون في خطر وتحت مرمى نيران الطرف المتضرر، فَلَو افترضنا أن إيران وتركيا اتفقتا معاً على برنامج عمل اقتصادي وسياسي مغاير مدعوم من قبل الصين وروسيا وبعض دول الإقليم، ستكون الولايات المتحدة في هذه الحالة أمام أمرين، الأول هو التغافل عن بعض الإجراءات وفي هذه الحالة ستكون العقوبات لا نفع منها، والأمر الثاني الوقوف أمام كل من يحاول تسهيل العمل مع هاتين الدولتين، وهنا ستكون الولايات المتحدة أمام صراع قد يجر المنطقة الى نزاع أكثر شدة وسخونة.

ونحن نناقش تبعات هذه العقوبات على الدول ونرى أن الدول المحيطة بالعراق أما حليفة للولايات المتحدة ومعادية لإيران أو معادية للولايات المتحدة، لكنها لا تمتلك القدرة منفردة على مواجهتها. وهنا يطرح سؤال عن دور العراق في هذه الأزمة باعتباره من الدول التي تضررت من جراء السياسة الأميركية وحتى سياسة دول الإقليم وكيف سيتعامل مع معطيات الأحداث. موقف العراق إما أن يكون مع العقوبات وفي هذه الحالة قد يفرض عليه تطبيق اجراءات قد تكون فوق قابليته السياسية والاقتصادية لما للإقليم من تأثير كبير على سياسته العامة، فهو يعتمد على تركيا وايران في اقتصاده ومن كل الجوانب، وقد لا تسمح له الظروف الإقليمية بأن يكون على الحياد الذي قد يجعل أمنه الداخلي في خطر، أو أن يكون ضد العقوبات فيكون بالنتيجة في مرمى الخطر أيضاً خصوصاً وهو يعاني من شدة التدهور الاقتصادي والصناعي وحتى السياسي، وقد تفرض عقوبات على سياسته الاقتصادية والمالية تحديداً ما يجعله في مأزق كبير، خصوصاً وهو يعيش أزمة ديون قد تؤثر بشكل طبيعي في وضعه الاقتصادي والمعيشي.

 في الجهة المقابلة سنرى كلاً من تركيا وإيران ستتعامل مع العراق وفق ما تمليه مصالحها بكونه سوقاً لا بأس بها لاستمرار تجارتهما ومنفذاً يخلصهما من ثقل العقوبات، وأيضاً واجهة سياسية من خلال العلاقات المتينة مع الأحزاب العراقية الموالية لهما، فإيران ستعمل جاهدة على أن تكون الحكومة العراقية المقبلة متماشية مع متبنياتها وسياستها للتخفيف من حدة ما ستعانيه لاحقاً  لكي تساعدها في مدّها بكل ما تحتاجه مالياً ويكون سوقاً للعملة الصعبة بالنسبة لها، أو على أقل تقدير أن تعمل على أن يكون القرار العراقي متوافقاً مع الموقف الإيراني. أما تركيا فستعمل أيضاً على ايجاد نفوذ سياسي لها سواء في الحكومة أو البرلمان العراقيين لذات الشأن الذي تلعب عليه إيران، وسنرى أيضاً حصصاً مائية وتسهيلات تجارية كبيرة. وإذا ما تم ما تريده إيران وتركيا فإن العراق يحتاج هذه المرة إلى دراسة الموقف الدولي والإقليمي بحذر شديد وعلى كل الصُعد، ليكون المبادر لحلحلة الوضع، وهذا يتطلب منه مرونة في التعامل مع كل الأطراف لكي يبدأ بخلق أدوار جديدة باحثة عن السلام والأمان للعناصر الفاعلة في المنطقة، ويكون العراق هو نقطة الانطلاق فيها، وهذا الظرف السياسي يفرض عليه أن يمتلك سياسة متوازنة خالية من الميول والتوجهات الأحادية (الميل نحو دولة دون الأخرى)، وأن تكون لديه رؤية سياسية تتمتع بقدر كبير من الاستقرار من خلال خبراء يتمتعون بالخبرة والكفاءة السياسية والاقتصادية، من غير الحزبيين المتحاصصين، يساعدون في إدارة دفة هذا الصراع واغتنام الفرص من أجل تحقيق كل ما له علاقة بالمصلحة الوطنية العراقية.