قناديل: اقتصاد العصر الحجري.. اقتصاد الوفرة!

اسم الكاتب: لطفية الدليمي رقم العدد: 4257 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 8/25/2018 1:29:19 PM

 لطفية الدليمي

لنا أن نتخيل مشهدا من العصر الحجري : يخرج الرجل للصيد مزودا بعدته من الأسلحة البسيطة والرماح الحجرية والسهام المصنوعة من أغصان الشجر، أو ينهمك بصنع الشراك والفخاخ بعون من صحبه ليحظوا بأرنب أوغزال أو مجموعة من الطيورأو أي حيوان بريّ تدفعه غفلته ليقع أسير الفخاخ ؛ يحملون صيدهم ويعودون إلى الكهف المشترك ليجدوا النساء قد هيأن لهم "وزرات" جديدة من ورق الأشجار أولحائها بعد أن طرقنه بالحجر فصار لدنا طريا ثم شبكنه بخيوط من لحاء قوي. وعندما يفرغون من إلتهام لحوم الطرائد أوبعض الثمار، يوصدون مدخل الكهف بحجارة كبيرة عندغروب الشمس، لتبدأ المجموعة كفاحها اليومي في الصباح التالي .
هذه الحياة المميزة بالإكتفاء الذاتي والجهد التشاركي والتي عاشها أسلافنا في العصرالحجري، تثيرفضول الباحثين الإناسيين وتدفع بهم لتقصي جوانبها الاقتصادية والاجتماعية ، فحياة تقوم على ممارسة الصيد وجمع الثمار من الطبيعة قبل ظهورالزراعة، كانت حياةً لاتعرف تعقيدات الإقتصاد الحضاري القائم على أوهام العملة والبنوك والاقتراض والفوائد وخديعة الثروة الكذوب.
الإنثروبولوجي الأمريكي مارشال سالينز أستاذ الانثروبولوجيا في جامعة شيكاغو المختص بدراسة مجتمعات جزر المحيط الهادي البدائية والمعنيّ بالاقتصاد البدائي لديها ، درس السيرورات الثقافية الصغرى في المجتمعات المماثلة، مثلما درس سبل التواصل في تلك المجتمعات.
يطرح سالينز سؤالاً في كتابه الأول "اقتصاديّات العصرالحجريّ" عن طبيعة الاقتصاد البدائيّ، ويقدم فكرة تبدو للبعض غامضة أو متناقضة وهي أن " الاقتصاد البدائيّ هو الوحيد الذي استطاع حتى اليوم خلق مجتمع وفرة حقيقيّ، وأنّ مجتمع الصّيد وقطف الثّمار لم يكن أبداً مجتمع فقرٍ وعوزٍ ، بل كان على النقيض من ذلك مجتمع وفرة ". فكيف يقدم لنا سالينز مفهومه الخاص عما يعنيه مجتمع الوفرة ، قياسا إلى مجتمعاتنا المعاصرة ؟؟
يشرح سالينز أن الوفرة تنحصر في نوعين يمكن أن نميز بينهما ، يقوم أوّلها على تلبية الحاجات عبر إنتاج وفير، بينما يقوم الثّاني على تقليل الرّغبات والحد من الشره الاستهلاكي، وفي هذه الحالة تنعدم الحاجة إلى كثرة العمل نظرا لمحدوديّة الحاجات والرغبات، وهذا مافعلته المجتمعات البدائية وجعلته خيارها.
يكتفي الإنسان البدائي بما يضمن حاجاته الأساسية التي تديم وجوده ولايفكر بمزيد من الرغبات التي سيتفتق عنها العقل البشري لاحقا بظهور الزراعة وتطور المشتركات البدائية إلى قرى تنظم أوضاعها بطريقة متفق عليها ، مما أفضى الى ظهور ( نظام حكم أولي ) ينظم الحياة الاجتماعية والعلاقات بين الأفراد، وعندنا تكدست بعد ازدهار الزراعة وفرة من المحاصيل والغلال زادت عن حاجة القرية أوجبت ظهور تجارة المقايضة بين القرى الزراعية والقرى الأخرى التي أعاقت طبيعتها الجغرافية وندرة المطر نجاح الجهد الزراعي لديها ؛ فعمد أهلها الى تطوير صناعات يدوية تستخدم في الحياة اليومية جرت مقايضتها مع الغلال.
لطالما كنا نجد في بعض الأرياف الزراعية لدينا مايشبه الاكتفاء الذاتي الذي تحدث عنه سالينز فنشهد نوعا من جماعة تشاركية تبدو من بقايا المشتركات القديمة التي تتضامن في حل معضلات العيش عن طريق صلة القرابة ويكتفي الأقارب بغلال حقولهم ومنتجات مواشيهم من ألبان وسمن وجلود وصوف، أما بيوتهم الطينية فهي عبارة عن غرف متلاصقة في نسق نصف دائري ينتهي بحظائرالماشية، ولايقصدون البلدات القريبة إلا مرتين كل عام للتزود بالشاي والسكر والتبغ وبعض الأقمشة وقد يزورهم بائع جوال على جواده فيمثل وصوله بهجة للجميع إذ يوفر لهم حاجاتهم ويجنبهم مشقة السفرعلى خيولهم إلى البلدات القريبة.