شخصية السياسي الفاسد.. سويّة أم مريضة نفسياً؟ (1-2)

رقم العدد: 4248 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 8/5/2018 7:01:26 PM

(تحليل سيكوبولتك)

د.قاسم حسين صالح


تحديد مفاهيم
يتفق علماء النفس على أن أهم ثلاثة مكونات للشخصية هي: الأفكار (مكون عقلي)، الانفعالات (مكون نفسي)، التعلمات والخبرات المكتسبة (مكون اجتماعي).. ويؤكدون بأنه لا يمكن فهم الشخص بشكل كامل دون فهم الأحداث التي حصلت في مجتمعه وطبيعة الثقافة أو الحضارة (Culture) التي عاش فيها.
ونقصد بالسياسي الفاسد هنا، الحكّام الذين تولوا السلطة في العراق بعد عام 2003، وقادة الأحزاب والكتل التي لها دور فاعل في العملية السياسية، والأشخاص الذين يتولون مراكز ادارية في مؤسسات الدولة المتهمين بالفساد من قبل هيأة النزاهة والذين تدور حولهم شبهات فساد.
ويعرّف الفساد السياسي بأنه إساءة استخدام السلطة العامة من قبل النخب الحاكمة لأهداف غير مشروعة كالرشى، الابتزاز، المحسوبية، والاختلاس فيما نعني بالفساد هنا.. حصول الفرد على مال بطرائق غير مشروعة يحاسب عليها القانون.
أما المرض النفسي فلا نعني به هنا الخبل أو الجنون، بل فكرة غير عقلانية وعقدة نفسية أو اكثر تتحكم في شخصية الفرد، وتجبره على تحديد أهدافه، وتفرض عليه طريقة تفكير محددة في تحقيقها.

المجتمع العراقي.. استثنائي في إنتاج المتضادات!
يختلف المجتمع العراقي عن المجتمعات الأخرى، بأنه شعب منتج لأصناف متضادة من البشر بمواصفات عالية الجودة.. فهو منتج لمبدعين ومفكرين وشعراء ورجال دين وشيوخ عشائر من طراز رفيع، ومنتج لقتلة ورعاع وغوغاء بمواصفات "عالية الجودة "، ومنتج لطغاة.. يرفعهم الى السماء حين يكونون في السلطة ويمسح بهم الأرض حين يسقطون، ومنتج لأبطال تشوى أجسادهم بالنار وما يتنازلون عن مبادئهم، ومنتج لمن يفلقون رؤوسهم بالحراب والموت فداء لمن ماتوا، ومنتج لمعتقدين عن يقين بأن تاريخهم مزوّر وأسود ومتخلف، ومنتج لمن يعرفون بالغيرة والأنفة، ومنتج لناهبين صيّروا الفرهود شطارة يتسابقون إليه حيثما حلّت بالوطن محنة.. وأخيراً.. أنتج الآن أفسد حكّام في تاريخ العراق والمنطقة والعالم!.
ونرى، نحن السيكولوجيين، أن نوعية الأحداث التي عاشها الفرد في مجتمعه لها الدور الرئيس في تشكيل شخصيته.. بصياغتها لقضيتين جوهريتين: نوعية القيم ومنظوره للحياة.. كونهما هما اللتان تصوغان أهدافه وتحددان سلوكه.. ما يعني أن اختلاف الناس في سلوكهم وطريقة تعاملهم مع الآخرين تعود الى اختلافهم في نوعية منظوماتهم القيمية ومنظوراتهم الحياتية.
ولأن العنف بأبشع مشاهده وأقسى حالاته هو الذي شاع في العراق على مدى ستين عاماً (من 1958) وما يزال، فإنه عمل على تشغيل الانفعالات السلبية في المراكز الدماغية بأقصى طاقاتها لدى المشتغلين بالسياسة، وبتصعيد حاد من الشعور بكراهية الآخر الى الحقد الى الانتقام الفردي ثم الجمعي.. الى التمثيل بالضحية رغم أنها جسد ميت!. وكان حدث (9 نيسان 2003) قد فعّل (سيكولوجيا الضحية) لتنتقم من الذين حسبتهم على (الجلاّد) بوحشية قراصنة وسادية همج.
والاشكالية السيكوسياسية، أن كل الأشخاص الذين كانوا في الخارج زمن النظام الدكتاتوري، وتسلموا السلطة (سلّمت لهم) بعد(2003)، اعتبروا أنفسهم (ضحية).. ومن سيكولوجيا الضحية هذه نشأ لديهم الشعور بـ(الأحقية) في الاستفراد بالسلطة والثروة،معتبرين ملايين العراقيين في الداخل اما موالين لنظام الطاغية أو خانعين.. وأنهم، بنظرهم، لا مشروعية لهم بحقوق المواطنة. وما حصل سيكولوجياً أن شعورهم بـ(الأحقية) دفعهم الى أن يعتبروا العراق ملكاً لهم.. فتقاسموه من دون خوف، لأنهم عزلوا أنفسهم لوجستياً ونفسياً بمساحة 10 كيلومتر مربع، محصنة أمنياً ومهابة بسفارة الدولة التي أسقطت نظام الدكتاتور واعترفت رسمياً بأنها دولة محتلة.. ونجم عن كل هذه التفاعلات السيكولوجية أن تحول السياسي الى حاكم مستبد. ويعني الاستبداد سيكولوجياً شعور الحاكم بخوف يتنامى الى قلق.. يتصاعد الى حالة رعب من خطر يتهدد وجوده الشخصي والاعتباري. ومن حالة الرعب هذه فإن شخصية السياسي الفاسد تعيش حالة تناقض فكري ووجداني تضطره الى أن يمارس النفاق بأنواعه.. ولنا عنده وقفة.

شخصية المنافق
يعدّ الإسلام أكثر الأديان تنبيهاً الى الابتعاد عن النفاق والتحذير منه، إذ خصّ النفاق بسورة كاملة في القرآن الكريم بعنوان (المنافقون) وبآية صريحة بسورة البقرة: "ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألدّ الخصام" ،204. وكان المقصود به "الأخنس بن شريق" فقد كان هذا الرجل حلو اللسان عذب المنطق معسول الكلام، وكان إذا لقي النبي محمد أغدق عليه بكلمات الحب والمودّة والإطراء وأنه مسلم، وكانت له عبارة يختم بها كلامه بقوله: "يعلم الله أني صادق" فيما حقيقته عكس ذلك وأنه ألدّ الخصام، ولهذا قيل بالمنافق في الدين هو من ستر كفره وأظهر إيمانه، فيكون بوجهين، وفي هذا يقول النبي محمد: "من خالفت سريرته علانيته فهو منافق كائناً من كان"، ويحدد ثلاث صفات للمنافق بقوله: "آية المنافق ثلاث، إذا حدّث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان".
وعليه يمكن تحديد صفات السياسي الفاسد المنافق بالآتي :
1. الكذب في الحديث
2. إخلاف الموعد
3. خيانة الأمانة
4. التقلّب في المواقف (لا يثبت على موقف)
5. التناقض بين المظهر والجوهر (ظاهره عكس باطنه)
6. حلاوة اللسان وعذوبة المنطق والمراوغة
7. امتلاك قدرة في تمثيل دور المحب أو الحريص أو المؤيد
8. إجادة مهارة لغة الجسد لاسيما تعابير الوجه
9. التحكّم بالانفعالات بإخفاء حقيقتها وإظهار نقيضها.
لسنا بحاجة الى ذكر أسماء من تنطبق عليهم هذه الصفات، لاسيما حكّام أحزاب الإسلام السياسي الشيعي.. الذين ما زالوا يمارسونها حتى بعد أن خرجت عليهم جماهيرهم التي انتخبتهم.. واحرقت مقار أحزابهم عقاباً على كذبهم، وإخلافهم ما وعدوا به، وخيانتهم الأمانة. زد على ذلك أن شخصية الحاكم السياسي الفاسد تتصف بالصلافة، فمع أنهم ارتكبوا جرائم فساد ما حصل لها مثيل في التاريخ، وأفقروا الناس وأذلّوها فيما هم يعيشون برفاهية سلاطين كانوا قبلها يبيعون (الخردوات) ويعيشون على (الصدقات)، فإن واحداً منهم فقط خرج معتذراً للناس واصفاً ما حصل بأنه (تقصير) مع أن ما ارتكبوه يعدّ جرائم كبرى.