قانون مجلس الدولة خرق لنصوص الدستور وتعد على استقلالية السلطة القضائية

رقم العدد: 4249 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 8/6/2018 7:17:44 PM

زهير كاظم عبود

في الوقت الذي نزعم ان الدستور العراقي هو القانون الأسمى والأعلى في العراق يتوجب علينا جميعا التمسك به من أجل أن نحرص على مفهوم الدولة القانونية ، فان عدة خروق فاضحة جرت وتمثلت في صدور قوانين مخالفة لهذا الدستور بين فترة وأخرى. وحيث أن السلطات الاتحادية في العراق تتكون من السلطات الثلاث وتمارس كل سلطة منها اختصاصاتها ومهماتها على أساس مبدأ الفصل بين السلطات. السلطة القضائية إحدى هذه السلطات وهي مستقلة وتتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها ، وهي تتكون من مجلس القضاء الأعلى والمحكمة الاتحادية العليا ، ومحكمة التمييز الاتحادية ، وجهاز الادعاء العام ، وهيئة الإشراف القضائي ، والمحاكم الاتحادية الأخرى .
وتأكيدا على الاستقلالية التي تتمتع بها السلطة القضائية فقد جوزت المادة ( 101 ) من الدستور إنشاء مجلس دولة يختص بوظائف القضاء الإداري والإفتاء والصياغة وتمثيل الدولة وسائر الهيئات العامة أمام جهات القضاء إلا ما استثني منها بقانون .
ووفقا لأحكام الفصل الثالث من الدستور والخاص بنصوص السلطة القضائية فأن القضاء بكل أشكاله وأنواعه محصور بالسلطة القضائية ، ويمارس مجلس القضاء الأعلى صلاحياته القانونية بإدارة شؤون القضاء والإشراف على جميع أشكال القضاء الاتحادي ، وكل شكل من أشكال القضاء والمحاكم خارج هذا الإطار يخالف الدستور ويشكل خرقاً فاضحاً حذّرت منه المادة ( 95 ) من الدستور والتي حظرت إنشاء محاكم استثنائية أو خاصة ، وكل محكمة أو هيئة تمارس العمل القضائي خارج إطار التنظيم القضائي ومجلس القضاء الأعلى تعتبر تعدياً على استقلالية السلطة القضائية ، وشكلاً من أشكال المحاكم الخاصة او الاستثنائية .
ويعد قانون مجلس الدولة رقم 71 لسنة 2018 وهو وريث مجلس شورى الدولة أحد هذه الأشكال التي تخرق ضوابط العمل القضائي ، وتم حشره ضمن الهيئات المستقلة وفقا لأحكام المادة الأولى من قانون مجلس الدولة ، حيث نصت المادة الأولى منه على ان مجلس الدولة يختص بوظائف القضاء الإداري
وجاء في الأسباب الموجبة للقانون إنه جاء تنفيذاً لإحكام المادة (101) من الدستور, ولغرض استقلال القضاء الإداري عن السلطة التنفيذية, وجعل مجلس الدولة هيئة مستقلة تتمتع بالشخصية المعنوية الذي يضم القضاء الإداري ومحاكم قضاء الموظفين والمحكمة الإدارية العليا, هو من يفصل في القضايا المعروضة عليه بصورة حيادية ومستقلة, أسوة بمجالس الدولة في الدول المتمدنة, وبغية فك ارتباط مجلس شورى الدولة عن وزارة العدل, وإبدال تسميته إلى مجلس الدولة انسجاماً مع الدستور.
هذا المجلس لا علاقة له بالسلطة القضائية ولا بالسلطة التنفيذية ولا بالسلطة التشريعية ، فأي دور يؤديه هذا المجلس وهو ينسلخ عن هذه السلطات ويؤسس لهيئة خارج هذا الإطار؟.
نحن هنا أمام تشكيلات قضائية خارج جسد السلطة القضائية ولا ترتبط بها بأي شكل من الأشكال ، وتتنوع بين ( محاكم القضاء الإداري ) و ( قضاء الموظفين ) و ( المحكمة الإدارية العليا ) ، وهذه التشكيلات القضائية لا تقع ضمن أعمال مجلس القضاء الأعلى ولا تخضع للضوابط القضائية المعمول بها وفقا لأحكام قانون التنظيم القضائي رقم 160 لسنة 1979 المعدل ، وهي في جميع الأحوال جزء من السلطة التنفيذية ، ولرئيس مجلس الدولة صلاحية وزير ضمن إطار الصلاحيات في السلطة التنفيذية .
ولإثبات أن هذا التشكيل لا ينتمي الى السلطة القضائية فقد نصت المادة الدستورية على ان يكون هذا المجلس ممثلاً للدولة وسائر الهيئات العامة أمام القضاء، ولا يمكن ان تكون جهة قضائية تترافع أمام نفس القضاء تمثل جهات تنفيذية أو تشريعية بديلاً عن ممثل قانوني عن تلك الجهات .
إن مجلس الدولة في جمهورية مصر العربية يعد أحد أعمدة السلطة القضائية فيها ، ومجلس الدولة العماني يقترح القوانين ويرفع الاقتراحات الى مجلس الوزراء ، ومجلس الدولة السوري هيئة ملحقة بمجلس الوزراء ، ومجلس الدولة الجزائري هيئة تابعة للسلطة القضائية ، ومجلس الدولة الكويتي جزء من التنظيم القضائي ، وأحكام محاكم القضاء الاداري في لبنان خاضعة للاستئناف والتمييز أمام القضاء اللبناني .
إن صدور مثل هذا القانون يعد تخبطاً من الناحية القانونية وإرباكاً للعمل القضائي ، وحين يعد القانون مجلس الدولة هيئة مستقلة ويمارس عمله القضائي في إصدار الأحكام القضائية ضمن وظائف القضاء الاداري، فان هذه الاستقلالية تجعله خارج المنظومة القضائية وتشكيلاتها ولا يخضع بهذا الشكل الى قرارات محكمة التمييز الاتحادية ولا لأشراف دائرة الإشراف القضائي، وبالتالي فأن من يصدر تلك القرارات ليس القضاة وإنما الموظفون الإداريون بمركز المستشار القانوني في دائرة مجلس الدولة ، والقضاة مستقلون في أعمالهم لا يجوز التسلط على قراراتهم ، كما لا يجوز لأية سلطة التدخل في العمل القضائي أو في شؤون العدالة .
أن نص المادة ( 101 ) من الدستور جوز إنشاء مجلس للدولة ضمن الإطار القضائي ، ولايمكن ان يكون هذا الجواز خرقاً لمفهوم وصلاحيات السلطة القضائية المنصوص عليها دستورياً ، ولايمكن أيضاً أن يمنح الدستور صلاحيات قضائية لهيئات تنفيذية أو أن يكون طريقا لإنشاء محاكم وقضاء خارج إطار مفهوم السلطة القضائية التي اعتبرها الدستور ركيزة من ركائز الإطار الدستوري لتكوين السلطة الاتحادية الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية التي حددتها المادة ( 47 ) من الدستور.
ومن اللافت للنظر إن الهيئات المستقلة التي وردت ضمن أحكام الباب الرابع من الدستور ( المواد 102 – 108 التي جعلتها خاضعة أما الى رقابة مجلس النواب أو مرتبطة بمجلس الوزراء ، وتم ربط المحكمة الجنائية العراقية العليا المنصوص عليها في المادة ( 134 من الدستور ) بمجلس القضاء الأعلى حيث تقوم بأعمالها القضائية التي تخضع الى رقابة محكمة التمييز الاتحادية والى أشراف مجلس القضاء الأعلى ، مثلما تم ربط هيئة دعاوى الملكية المشكلة بنص المادة ( 136 ) من الدستور أيضا بمجلس القضاء الأعلى وتولت المحاكم المدنية النظر بأعمالها وفق الأصول ، وبهذا لا يمكن ان تكون هناك هيئة سائبة لا ترتبط بأي سلطة من السلطات الثلاث ، ولا يمكن أن تشكل سلطة رابعة لوحدها ، ولأن مجلس الدولة هو الوريث الرسمي لمجلس شورى الدولة فتسري عليه أحكام قانون مجلس شورى الدولة رقم ( 65 ) لسنة 1979 المعدل ، وهذا المجلس مرتبط بوزير العدل. وشكلت الفقرة الثالثة من المادة الأولى من قانون مجلس شورى الدولة خرقاً وشرخاً في العمل القضائي حين اعتبرت كلا من رئيس المجلس ونائبيه والمستشار والمستشار المساعد قاضيا لأغراض هذا القانون عند ممارسته مهام القضاء الاداري ، علما بأن أحكام المادة 18 من قانون المعهد القضائي العراقي رقم 33 لسنة 1976 المعدل لا تجوّز تعيين قاض او نائب مدع عام إلا اذا كان متخرجاً من المعهد القضائي ، ومنح صفة القاضي للموظف الإداري يعد تجاوزاً على سلطة القضاء وتعدياً على نصوص الدستور والقوانين فلا سلطة اليوم فوق سلطة القضاء ولا سلطة تماثلها في الصلاحيات والعمل .
واستناداً لنص الفقرة أولا من المادة 93 من الدستور وبالنظر لاختصاص المحكمة الاتحادية العليا بالرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة ، فإننا على يقين من أن هذه المحكمة ستنظر بعين الرقيب الحريص على التطبيق الدستوري والقانوني الصحيح لتعيد الحال الى نصابه بقرار قضائي واضح وصريح .