رصانــة الفكر وجدليته

رقم العدد: 4249 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 8/6/2018 7:18:48 PM

جاسم عاصي

المقياس الأساس في تحديد طبيعة المفكر ؛ أن تجد في أُطروحاته رصانة مبدئية ، وأن يتعامل مع المختلف بود واحترام ، من منطلق تقديره لبنيته الفكرية . ذلك لأن لكل ذات موقعاً في المجال الإنساني . فلا تعدي على وجودها المادي والمعنوي . وهذه مبادئ عامّة . فالفكر له قيمة تاريخية ، حتى لو كان فكراً شوفينياً . فالمحك الجدلي والتربية المستدامة ، من يؤسس لها النمط الذي يكون ، ولهذا يتم التواصل مع الوجود خلال تعايش الأطراف بود واحترام ، أسوّة بما ابتدأته الشعوب الأخرى ، التي اختارت السبيل الأمثل لنشر السعادة وبناء الحياة ، دون جعجعة بلا طحين ، جعجعة لا تخلف سوى طحين مداف ببقايا شوائب الوجود . فالأفكار لا تنقطع صلتها بالواقع والتاريخ ، بل يتجدد حراكها نحو الأفضل مجالاً وحيوية ، موهوم من يستر الشمس بغربال أو يُشوه وجه الحقيقة بتصورات مريضة . إن الدخلاء والموتورين على هذا الفكر أو ذاك ، هم وحدهم من يضع العراقيل في طريق الحوار والنمو ، بينما هم يعانون من ولادات خدجية ــ إن صح التعبير ــ ، فتراهم في تحركهم لا يفرقون بين السالب والموجب ، ويستخدمون القوة في تصفية حساباتهم إذا اقتضى الأمر . وهو مقتضاهم بطبيعة الحال ، لأنهم وكما حدث في التجربة العراقية ، لعبوا دور المخرب الفكري في تدهور البلد إلى الأسوأ من الحال . فالإيمان بالقوة مهما كانت وسائلها ، دليل قاطع على فشل الوسائل الأخرى والتراجع لغياب الحجة الفكرية. إن التشويش المتعمد دال على طبيعة المشوِّش ، لأنه تربى على المنافع . ففي هذا المجال صادفت وتعمدت معرفة عدد من ــ المفكرين ــ ، سواء بالتماس المباشر مع طروحاتهم ، أو ممن قرأت لهم . لكني في المحصلة النهائية ، وجدت هؤلاء يتعمدون في سياق تأسيسهم لبنية فكرية جديدة ــ حسب اعتقادهم ــ إنما يبدؤون بالاعتراض ، وايلاء الحراك اليومي ذريعة لفرز بناهم واعتراضاتهم . وحين تدقق في سيرتهم ، وطروحاتهم ، تجدهم كمن ينفخ في قربة مثقوبة . هؤلاء خدعوا العامّة ، وأسسوا لخراب يتسع يومياً ، وهي آفة نجدها تُصادر تاريخ البلد ، وتعمم الخطأ . كما نجد ذلك في انتشار فوضى القتل ( التصفيات) دون مسوّغ ، إلا نشر البلبلة والتذمر قصد العودة لتعميق الخراب ، ففاقد الشيء لا يعطيه . ولنا في هذا الطرح ، ما هو بديل عند البعض ،الذي يبتعد عن الادعاء ، ونقف بصف من يحترم الحياة والوطن . إن الفكر الأصيل لا يؤسَسْ له، سوى من الاحتكاك الجدلي بفكر الآخر . وإلا كان منذ البداية دين واحد يعم الأرض ، ونبي واحد ونظرية واحدة في كافة المجالات ، وتعطيل العقل عن الإنتاج . إن احترام جدلية الوجود ، خلال وضع العالم في محك جدليته التاريخية ، فلا وصيّ على إيمان المرء ، يوقف تطوره المعرفي ، فكل يمارس اجتهاده المعرفي ، وكل له سبيله في تأسيس وجوده الفكري على قاعدة .. احترم فكري ، احترم فكرك .. دعونا نعمل بالمشتركات ولا نسيء لبعضنا ، ولا نتذرع بالفكر لكي نتطاول على الوجود العام .علماً أننا نعتقد وبقوة أن ما يُسمى(داعش) لم ينته وجودهم ، بل تبلور في صياغات أُخرى ومنها الفكرية والاجرائية ، وهي من صلب وسائل التخريب المتعمد للبلد.
إن الشذرات الفكرية تستهوي القارئ كثيراً سواء كانت تلك المبثوثة لذاتها ووفق حراك بين الأفكار أو تلك المحاوِرة لذات الآخر ، ثم تلك المتداولة في النص الإبداعي . إنها المادة الأكثر قوة أمام حراك الوجود منذ الأزل . فالبنى الفكرية تتطور وفق منظور الأزمنة ، وتطور المعرفة التي بدورها تبحث عما يلائم الوجود . وقد تنمو تلك البنى مخلفة وسائل تطوير الحياة ، أو تنتكس وتتراجع ، فيكون مصير الحياة التخلف عن ركب التطور البشري ، والأمثلة كثيرة على ما ندّعي ونتصوّر . ففي المجال الإبداعي وجدت في رواية(شبح نصفي) للكاتب( محمد خضير سلطان) مثل هذا التداول ، المبني على الكيفية التي يكون فيها التاريخ محبّكاً وفق تصوّر عقلاني ، محفوف بالمخيال السردي . فوحدات النص تحاكي التاريخ باعتباره يسير وفق بنى فكرية خلقتها الجماعة والأفراد بكيفية التشفير والعلامة ، لا بالتفاصيل التاريخية . فالوعي الفكري للكاتب دفعه إلى خلق بنية كتابة تطرح رؤاها بالشكل الذي لا يشبه شكل آخر . كما وأنها لا تنفصل عن أسلوب التجريب في السردية بشكلها العام .إنه تجريب له مقوماته الذاتية المبني على رؤى سردية . أما على الصعيد الفكري الخالص ؛ فأجد إن المفكر( ماجد الغرباوي) وعبر قراءة لكتابين حواريين له؛ إنه قادر على محاورة الواقع والتاريخ بروح شفافة ، وتمكّن قوي من أُصول الفكر الذي يتداوله ونقصد به الفكر الإسلامي المتبصر بالحقائق. موصلاً بين أن يكون الفكر العقائدي الديني متشبثاً بالأصول الفكرية ، وبين أن يشيع بين العامّة على شكل خزعبلات وتشنجات شعبية ، تتخذ لها مساراً لا يعمل دون أن تدري الجماعة أنها لا تمارس إلا التخريب . فالمعتقِدْ يمارس تأثير الأصول في حياته العملية ، إنما يقع في الاشتباك عفوياً ووفق التصوّر الذاتي أو إغراء الجماعة ، إنه متوّرط في نوع من تخريب الفكر عبر التاريخ . وبذلك تكون مساهمته سلبية وداعمة للخراب الفكري . وبمثل هذا تعرضت كثير من الأيديولوجيات إلى التخريب خلال حقن الذهن الشعبي بالبِدَعْ والممارسات الخاطئة والمضرة. أجد في أُسلوبه الرد الحاسم بالنص . وهو السبيل الأمثل عنده . وهو كاتب غير متشنج ، ولا يعير أهمية للأثر السلبي الذي تتركه ردود أفعال الآخر ،ولا صياغاتهم الارتجالية والمدروسة بحق الفكر الذي يعالجه . وهي تصح كدفاعات عن الأفكار التي تهدف إلى بناء الحياة ، لا تهديمها . تلمست في أُسلوبه الرد على ذوي الفعل السلبي المضر . إذ يمتاز حواره بالحيوية الفكرية ، والثبات الذي خضع لامتحان عسير حتى أصبح قاعدة ، وسلوكاً بديهياً . وتلك هي صفة المفكّر حين يتداخل مع بنية الإنسان الوجودية . فهي تخضع لامتحان عسير ومضن ، لتكون قاعدة غير مبدِلة لسلوك الفرد . أي إنها تصبح نوعاً من السلوك المستدام لبنيته الفكرية غير المعلنة في كثير من الأحيان ، إلا إذا اقتضى الأمر غير هذا .