باليت المدى: متحف التوت البري

اسم الكاتب: ستار كاووش رقم العدد: 4247 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 8/26/2018 6:09:59 PM

 ستار كاووش

كيف تعيش تجربة جمالية بكامل تفاصيلها وما تحمله من متعة وتأثير؟ كيف تجد الجمال؟ ومتى تخطو بأقدامك لتحوِّلَ حجر الطريق الى لقى ثمينة؟ أو بالأحرى كيف تغير ما حولك أو ما هو متاح لك الى شيء يثير المتعة والجمال، ويعبر بك نحو مناطق بعيدة عن الواقع ولا تنتمي إليه. الجمال ينتظرك دائماً في زاوية ما، وما عليك سوى أن تعثر عليه، أو يهديك إليه أحد. أحدٌ يشبه مركباً ينقلك من ضفة النهر الى ضفته الأخرى، أو يلعب دور اللافتات التي تدلّك على المتاحف. تماماً مثلما أرشدتني جارتي التي كانت منشغلة بترتيب خيمتها، قائلة ( هل زرتَ متحف التوت البري؟) ظننتها تمزح، فإلتفتُ اليها رافعاً رأسي، متسائلاً (وهل هناك حقاً، متحف عن التوت البري؟) فَجَلَبَت الخريطة وأوضحت لي بالضبط أين يقع المتحف. انطلقت بدراجتي الهوائية لأصل بعد نصف ساعة الى مكان المتحف، الذي يقع شمالي جزيرة ترسخيلينغ، التي أقمت فيها ثمانية أيام.
بناء قديم وسط غابة صغيرة على حافة البحر يحاذيه من اليمين مقهى صغيرة بطاولات ذات شراشف ملونة بخطوط حمراء متقاطعة، وكراسٍ ثقيلة مصنوعة من خشب البلوط الداكن، بينما إستقرت على الواجهة نوافذ صغيرة مقوسة من الأعلى. ومن اليسار مطعماً يقدم أكلات بحرية وبعض المعجنات التي يدخل في تحضيرها التوت البري. لكن ما حكاية المتحف ولماذا هذه الأهمية التي منحها الأهالي هنا للتوت البري الذي أراه في كل مكان وزاوية، حتى أصبح له متحفاً؟ هكذا تساءلت مع نفسي وأنا أدخل لأعرف التفاصيل.
وقد إبتدأت الحكاية سنة (١٨٣٩) حين صحا بيتر كوبيدو من نومه ذات ليلة، بسبب أصوات العاصفة التي هبت على الجزيرة، ليخرج من كوخه، متجولاً على ساحل البحر كما يفعل عادة في الليالي المماثلة، لكنه هذه المرة، وأثناء تجواله، عثر على برميل خشبي مغلق وثقيل، ملقى على رمال الساحل، مع بعض الأشياء المحطمة، من ضمنها سارية مكسورة. عندها عرف أن سفينة ما قد غرقت وانتشرت بعض محتوياتها على الساحل بسبب الرياح والأمواج العالية. دحرج البرميل نحو كوخه، ليعرف من خلال بعض الكتابات التي ثُبِّتَتْ عليه، إنه يعود لسفينة أميركية، انتابه الفضول، وهو يمني نفسه بقدح من النبيذ او الجنيفر، أو أي شراب آخر مادام هذا النوع من البراميل مخصص لحفظ الشراب. فتح البرميل، ليجده مملوءً بحبات صغيرة من التوت، ذات لون داكن وغير معروفة له، فَجَرَّبَ أن يأكل بعضاً منها، لكن طعمها لم يعد صالحاً للاستعمال، فرمى المحتويات في الخارج، وإستعمل البرميل الفارغ لتجميع مياه المطر النازل من سطح الكوخ. وبسبب الرياح القوية تفرق هذا التوت وانتشر في كل مكان. ولم تمض بضعة شهور حتى شاهد الناس نباتات خضراء غير معروفة تغزو الجزيرة، لتثمر بعدها عن توت بري بطعم مذهل. ساعد في ذلك الساحل العريض للجزيرة ووديانها ذات الخصوبة العالية. ومع مرور الزمن أصبحت هذه الجزيرة أهم وأخصب مكان للتوت البري، وهي توفره لكل هولندا وبلجيكا وبعض البلدان المجاورة. حتى أصبح التوت شيئاً من تاريخها وثقافتها وعماد اقتصادها. نبتة التوت هذه تزهر في الصيف والشتاء، وتغطي زهورها البنفسجية كل مكان هنا، وتمنح الناس عطراً يظل بذاكرة كل من يمر على أرض هذه الجزيرة.
لم يحصل بيتر وقتها على شيء ثمين بداخل البرميل، لكن الجزيرة تحولت الى أرض جديدة تمنحُ توتاً فريداً من نوعه، وذلك ما يوفر للأهالي مكاناً يأمه السائحون من كل العالم، وكذلك يوفر لهم العديد من الوظائف وفرص العمل التي لا تنتهي أبداً. فمن الاعتناء بالنبتة المنتشرة في كل مكان، الى القطف، الى تحميل وتحويل المحصول الى الأماكن المخصصة. ثم يأتي التعليب وصناعة المربيات، والتجفيف، وتحضير المعجنات والمأكولان التي تدخل في صناعتها هذه الحبات الصغيرة التي غيرت تاريخ الجزيرة. هذا ما قاله لي المتحف الصغير والجميل، وهذا ما أشارت لي به جارتي التي نصبت خيمتها قرب الكارافان الذي قضيت فيه أيامي الثمانية.