شخصية السياسي الفاسد.. سويّة أم مريضة نفسياً؟ (2-2)

رقم العدد: 4250 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 8/7/2018 6:58:04 PM

(تحليل سيكوبولتك)


د.قاسم حسين صالح

كنا حددنا السياسي الفاسد بالحكّام الذين تولوا السلطة في العراق بعد عام 2003،وقادة الأحزاب والكتل التي لها دور فاعل في العملية السياسية ،والأشخاص الذين يتولون مراكز إدارية في مؤسسات الدولة المتهمين بالفساد من قبل هيأة النزاهة والذين تدور حولهم شبهات فساد.وحددنا المرض النفسي بأنه لا يعني هنا الخبل أو الجنون،بل أفكار غير عقلانية و عقد نفسية تتحكم في شخصية الفرد،وتجبره على تحديد أهدافه،وتفرض عليه طريقة تفكيرمحددة في تحقيقها..وسنثبت هنا أن السياسي الفاسد مصاب بأخطرها نوجزها بالآتي:
1. أكدت الأحداث إن العقل السياسي الفاسد في الزعامات العراقية مصاب بـ(البرانويا ) التي تعني بمصطلحات الطب النفسي أسلوبا أو شكلاً مضطرباً من التفكير يسيطر عليه نوع شديد وغير منطقي ودائم من الشك وعدم الثقة بالآخر،ونزعة ثابتة نحو تفسير أفعال الآخرين على أنها تهديد مقصود.ولهذا فأنه يحمل ضغينة مستديمة لمن يخالفه الرأي(العلماني مثلا) ويرفض التسامح عما يعدّه اهانة اعتبار جسدها المتظاهرون باهزوجات موجعة( الله واكبر ياعلي الأحزاب باكونه،ما نريد حاكم ملتحي نريد حاكم يستحي..)، وإنه على استعداد للقتال أو المقاومة والإصرار بعناد على التمسك بالسلطة بغض النظر عن الموقف( احتجاجات تموز 2018).
ودليل ذلك إن تظاهرات( 2011) طالبت بمحاسبة الفاسدين ،فحماهم السيد نوري المالكي بمقولته الشهيرة التي ستدينه تاريخيا(لديّ ملفات للفساد لو كشفتها لأنقلب عاليها سافلها)وواصل حمايتهم بتخدير بالوعود خلفه السيد حيدر العبادي الذي وعد بضربهم بيد من حديد وما فعل.ولأن المتظاهرين هتفوا في شباط 2011(باسم الدين باكونه الحراميه)..فأن الفاسدين أضمروا لهم العقاب بمزيد من الأهمال..ونترك لحضراتكم ما جرى من التعامل الشرس والمهين مع المحتجين.
2. ومنذ عام( 2010 ) كنّا شخصنا العقل السياسي الفاسد في السلطة بأنه مصاب بـ(حول عقلي)، ناجم عن تعصب طائفي أو أثني..يجبره على تصنيف الناس الى مجموعتين:(نحن) و (هم)،وأنه يحّمل الجماعة الأخرى مسؤولية ما حدث من أذى أو أضرار ويرى إنها على باطل،ويرى جماعته إنها على حق مطلق حتى لو كانت شريكاً بنصيب أكبر في أسباب ما حدث،.وقلنا بالصريح إن شخصاً بهذه الصفة المرضية لا يصلح أن يكون قائداً لمجتمع تتنوع فيه الأديان والمذاهب والقوميات.
3. وأضفنا أيضا إن الاحداث أثبتت عبر السنوات الخمس عشرة الأخيرة إن العقل السياسي العراقي منتج للأزمات،وإنه غير قادر على حل المشكلات،لأن الادمان على الأزمات كالادمان على المخدرات..ففي الحالتين يحدث للعمليات العقلية في الدماغ برمجة ثابتة تجعله يعتاد على تفكير نمطي محدد يجبره على تكراره.وبما أن المشكلات الاجتماعية تتطلب حلولاً مبتكرة وان العقل السياسي في السلطة انشغل بانتاج الأزمات،عليه فان بقاءهم فيها سيلحق المزيد من الأذى بالناس بما فيها استهداف حياتهم وأمنهم..وسيبقى الحال على سوئه ما دام السياسي الفاسد يبقى هو صاحب القرار.
4. والعقل السياسي الفاسد مصاب بالدوغماتيةDogmatism التي تعني الجمود العقائدي أو الانغلاق الفكري الذي يفضي الى تطرف ديني،مذهبي،قومي أو قبلي،وتعدّ بحسب دراسات علمية إن أحد أهم وأخطر أسباب الأزمات السياسية والاجتماعية،وإنها..الدوغماتية.. (مرض)خالقي الأزمات من القادة السياسيين.
ومن عام 2008 كتبنا عبر (المدى) وقلنا عبر الفضائيات إن قادة العملية السياسية العراقية لن يستطيعوا ان يتحرروا فكرياً من معتقدات ثبت خطؤها،ولن يستطيعوا أن يجدوا حلّاً أو مخرجاً لما هم فيه،بل إنهم سيعرّضون ملايين الناس الى مزيد من الأذي،وقد حصل ما حذرنا منه.
وسيكولوجياً،نعيد التوكيد بأن المضطهد سياسياً يتحول الى جلاّد حين يستلم السلطة ويعتبر ثروة الوطن ملكا له ولجماعته الذين يحمونه،وأن هذه السيكولوجيا تجبره على أن يعتمد مبدأ (الثقة الطائفية)في التعيين الوظيفي حتى لو كان شاغل الوظيفة لا يحمل شهادة الاعدادية،فمن لقبه (موسوي،حيدري،ساعدي،سوداني،جحيشي...)صار عند سياسيي شيعة العراق أفضل من حامل دكتوراه وبروفيسور في الاقتصاد السياسي.وكان هذا خطأهم القاتل،لأن الدولة التي تستبعد الكفاءات والخبرات تتحول مؤسساتها الى ملكيات أفراد..وهذه حقيققة واقعة..فالوزارات العراقية،ومعظمها شيعية، تابعة لكتلها السياسية لا للدولة..وكأنها دويلات او ملكيات طائفية أو عشائرية وحتى شخصية..يتلقى وزيرها التعليمات من رئيس كتلته ويتم التوظيف فيها على اعتبارات حزبية أوعشائرية.ومع أن هذا هو مرض السلطة في العراق منذ عام 1963،إلا أن سياسيي الشيعة بشكل خاص والفاسدون من الحكّام أفرطوا في ذلك وأسندوا وظائف بمسؤوليات كبيرة الى جهلاء معرفة وفقراء خبرة.

لا عقلانية خطاب الفاسدين
بمنطق السيد همام حمودي (فأنكم-يخاطب العراقيين- تعيشون فرصة تاريخية،فانتم تعيشون نعمة ما بعدها نعمة) ..فلو كان الحال كما يصف ،فلماذا خرجت جماهير الشيعة تطالب بأبسط الخدمات..الماء والكهرباء!..ولكنه صادق في وصف الحال الذي يعيشه هو وجماعته..وهذا انموذج من الأفكار اللاعقلانية التي تسيطر على تفكير السياسي الفاسد،والسياسي الساكت عن فضح الفساد.
وبنفس المنطق غير العقلاني يصرح مدير البنك المركزي بأن( مقبوضات وزارة المالية من العملة الأجنبية للسنوات من 2005 الى 2017 بلغت 706,23 مليار دولار خرج منها 703 مليار دولار صرفت على العراقيين)..وهو صادق بأن هذا المبلغ خرج فعلاً..ولكن من خانة التنمية العامة الى خزائن أحزاب السلطة وحسابات الفاسدين في بنوك العالم،لأن ذلك المبلغ يكفي لأعادة إعمار بلد خرج من حرب كارثية،فيما محنة العراقيين تعدت الماء والكهرباء الى تدهور مريع في الزراعة،الصناعة،الصحة ،البيئة،النقل،والتعليم..فضلا عن تزايد حالات الجريمة والطلاق والانتحار والالحاد والعنف المجتمعي.في زمن حكم الفاسدين.
وبنفس المنطق أيضاً أعلن السيد نوري المالكي (تموز2012)ان العراق دخل مرحلة الأزدهار وهو يدشن أكبر ميزانية في تاريخه( 102 مليار )دولار أميركي ،فأين ذهبت والعراقيون يدخلون في جمعة آب 2018الجمعة الخامسة والعشرين بعد المئة في تظاهرات تُطالب بتوفير ضرورات الحياة لا متعة الأزدهار..أي في السنة التي اعلن المالكي إنها سنة ازدهار!..وهو صادق أيضا في وصف ازدهار حاله بعد ان كان يبيع (الخردوات )في الأسواق الشعبية.
وتتوضح حقيقة الفاسدين أكثر بان صرفيات العراق للمدة من 1920 الى 2003 بلغت- بحسب السيدة ماجدة التميمي- (220)مليار دولار ،فيما بلغت مصروفاته من 2003 الى 2018 ( 862)مليار دولار!..فأين ذهبت والعراقيون في أسوا حال والوطن خراب!
تلك الارقام تؤكد إن الفاسدين نهبوا المليارات،وإن من يكنز المليارات ويترك شعبه يتضور جوعا،ليس سليماً نفسياً.ولهذا فان المعركة ضد الفساد ستكون شرسة جداً،لأن الفاسدين يمتلكون السلطة والثروة،يعني القوى الأمنية والحمايات الخاصة،ورجال أعمال ومقاولين ومدراء شركات ومسؤولون بالدولة والمنتمين لأحزابهم والمتملقين ورافعي شعار (الشين اللي تعرفه أحسن من الزين اللي ما تعرفه).
إن الحوار مع عاقل يفضي الى حلّ فيما الحوار مع مريض نفسياً يضعك أمام خيار واحد..أن تؤمن بما يراه هو إنه الحق بعينه،فيما هو وهم وخبل.ولأن الغالبية المطلقة من قادة أحزاب السلطة ومكونات الحكومة مصابون فعلياً بعقد نفسية وتتحكم بهم أفكار غير عقلانية..فان الحوار معهم لن يجدي نفعاً. ولأنهم تحولوا الى مستبدين وسقطوا اعتبارياً وأخلاقياً بنظر جماهيرهم،ولأنهم مسكونون بالخوف والرعب من الشعب والمتظاهرين..فانهم سيستميتون من أجل البقاء في السلطة،وليس للجماهير والقوى الوطنية والتقدمية إلا التفكير بحل غير تقليدي يحقق الحياة الكريمة في وطن يمتلك كل مقومات الرفاهية لأهله.