أزمة العراق المائية.. التداعيات وآفاق الاستفادة من التجارب الناجحة

رقم العدد: 4248 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 8/27/2018 6:32:28 PM

د. أحمد عبد الرزاق شكارة

تدفع أزمة العراق المائية التي تصاعدت حدتها في الآونة الأخيرة في صيف العراق الحار جداً للاهتمام بها وبتداعياتها وامكانيات الاستفادة من تجارب الدول الأخرى، ليس فقط لتجاوز الأزمة الراهنة وإنما للذهاب الى مديات وآفاق مستقبلية تتضح من خلالها رؤية ستراتيجية لمعالجة النقص في توافر المياه التي لاغنى عنها لحياة البشر في عالمنا الفسيح، حيث يعتبر الماء بمثابة المركز الحيوي للتنمية الاجتماعية والاقتصادية الشاملة نظراً لانعكاس أزماته المتنوعة على حياة البشر في كل تفاصيلها.
من هنا، جاءت الاشارة في البداية للبعد الكوني لأزمة المياه، وقد طرحت مجموعة البنك الدولي عدداً من القضايا والتساؤلات المهمة، منها مثلاً ما مدى توفر المياه للشرب والاستخدامات المتنوعة بضمنها للزراعة، وكيفية واهمية إدارة رشيدة للمياه من قبل دول العالم، حيث من الممكن أن ينعكس عدم توفر المياه سلباً على مدى إمكانية تعلم الفتيات من الفئة الفقيرة في المدارس. كما إنها مرتبطة بموضوع آخر هو مدى إمكانية العيش في "المدن الصحية المواتية لبيئة خضراء".
هكذا تتوالى التساؤلات من مجموعة البنك الدولي حول مدى إمكانية نجاح التطور أو القيام بمشروعات التنمية الصناعية أو حتى إمكانية مواجهة القرى الصغيرة دورات الجفاف أو التصحر أو ربما حتى الفيضانات كنتيجة لسوء الادارة المائية أو لعدم الاهتمام بمسألة التغيير المناخي. والبنك الدولي أشار في آخر احصائياته إلى أن قرابة ملياري شخص في العالم يعيشون بأقصى حالات ندرة المياه المطلقة وهذا الرقم مرشح للزيادة ليصل الى اكثر من أربعة مليارات ونصف (4.6) في العام 2080. من الأرقام المهمة التي أشار إليها البنك الدولي رقم 4.5 مليار نسمة يفتقدون وجود شبكة منظمة لمياه الصرف الصحي، يضاف اليه أن اكثر من ملياري شخص لايستطيعون الوصول الى شبكة منظمة لمياه الشرب، ما يعني انهم يشربون من مياه آسنة أو ملوثة بيئياً. هذه الأزمة ستكون ذات ابعاد عالمية تؤثر بشكل كبير في جميع دول العالم ولكن بشكل خاص على تلك الدول ذات الأعداد السكانية الكبيرة جداً مثل الصين والهند ودول أخرى تعد اقتصادياتها ضخمة مثل الولايات المتحدة الأميركية. لعل من المناسب الاشارة الى أن الدولة الجميلة الصغيرة ايسلندة وضعت ستراتيجية مفيدة تعنى بتزويد اكبر الدول المستهلكة للمياه وعلى رأسها الصين ودول من الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة بمياه معدنية نقية، وقد قامت فعلياً بتنفيذ هذه الستراتيجية لأوروبا وللولايات المتحدة. أما بالنسبة للصين الدولة الأكثر استهلاكاً للمياه وللطاقة، فقد نجحت ايسلندة في عقد اتفاق مع حكومة الصين لتزويدها بمياه نقية من جبالها الجليدية. كما أنها في طريقها لتزويد ايران البالغ عدد سكانها 78 مليون نسمة بالمياه النقية .
السؤال هل العراق (حجم سكاني معتدل نسبياً، 38 مليون نسمة) الذي لديه حالياً احتياجات مائية إستثنائية "رغم حيوية مياه نهري دجلة والفرات الافتراضية" ويمر بمرحلة أزمة مياه خانقة نتيجة لسدود تركيا وسوريا وايران، سيكون في قائمة ايسلندة للدول المستوردة للمياه مستقبلاً؟ إن اقامة السدود الكبيرة لدى جوار العراق قلّصت مناسيب تدفق المياه الى العراق إلى النصف تقريباً والوضع ليس في سبيله للانتهاء إلا عن طريق جلوس كل الفرقاء المعنيين الى مائدة التفاوض من اجل الخروج باتفاق مستقبلي يحفظ مصالح هذه الدول جميعاً.
إن بدء تركيا بتخزين مياه أعالي نهر دجلة من خلال سدها الجديد (أليسو) أضاف أزمة جديدة وفقاً لوزير الموارد المائية العراقي الدكتور حسن الجنابي لأن التدفق المائي هو أصلاً قد تدهور مقارنة بالسنوات الماضية إلى أكثر من 50 بالمائة، حيث انه في الاوضاع الاعتيادية من المفترض أن يحصل العراق على 30 مليار متر مكعب في العام من نهر الفرات، والآن يقول الوزير اننا سنكون سعداء لو حصلنا على 16 مليار متر مكعب. السؤال: كيف نصور حالة صعبة أو تحد لابد من مواجهته لعراقي أو لأي شخص لا يمكنه تصور أن بلد الحضارات، حضارة وادي الرافدين التي تأسست قبل اكثر من 8000 عام لديه أكبر نهرين في المنطقة يعاني شحة مائية تصل لحد نشوء أزمة حادة تؤثر في سكانه بصورة غير متوقعة؟ حقيقة الأمر أن الحكومات المتعاقبة لدول الجوار استمرت بخططها وسياساتها للحصول على حصص مائية كبيرة نسبياً توفيراً لاحتياجاتها المستقبلية، في حين أن العراق بدا مجاملاً أو ربما متردداً في الكثير من الأحوال في طرح أحقية موقفه وحقيقة واقعه ولم يضع بالتالي رؤية وستراتيجية مائية فاعلة ومجدية تأخذ بالاعتبار الزيادة غيرالمتوقعة لاستهلاك المياه، خاصة وأن العراق لم تنقطع أزماته الستراتيجية وبصورة متراكمة من حروب وصراعات داخلية وغيرها أخرها "حرب داعش" التي أوضحت لنا مدى خطورة الأوضاع لو نجح داعش في السيطرة على موارد المياه مستغلاً إياها في خططه الإجرامية الإرهابية.
أما وقد نجح العراق في الانتصار على داعش عسكرياً، فإن الخطر زال لحد كبير، ولكنه يجب أن لا يغفل اية حسابات مستقبلية تخص داعش أو داعش بثوب جديد وضرورة التبصّر الكاف في سياسات دول الجوارالمائية التي قد تكون شديدة الوطأة على العراق مثل قطع مياه بعض فروع نهر دجلة المرتبطة بإيران ما قد يفاقم الأزمة المائية الى حدود غير متصورة أصلاً، خاصة عندما تنخفض حصة العراق من نهري الكارون وكرك. إن مخزون العراق من المياه في حالة عدم وجود ستراتيجية مائية شاملة وواقعية تأخذ بالحسبان زيادة السكان والتغييرات السريعة الحرجة في الازمات الاقليمية سيتقلص كثيراً عن 30 مليار متر مكعب المتوقعة بنهاية عام 2018. من هنا أهمية اسراع الجهات المسؤولة العراقية لعقد اتفاق شراكة مع تركيا وايران وسوريا كي يأخذ "العدل المائي" مجراه في توزيع الحصص المائية، مضيفاً لإمكانات الثقة المتبادلة شوطاً مهماً في تنقية العلاقات المتبادلة وتنميتها مستقبلاً .
عند النظر في الخطط الستراتيجية للمياه لعدد من القوى الصاعدة يتبيّن أن الهند والبرازيل والصين التي تصنف من القوى الكبرى والصاعدة وغيرها والتي تعاني جميعها تقريباً من أزمات مياه كبيرة أو حرجة تجتهد حكوماتها في إيجاد حلول ابداعية للحصول على خيارات مائية جديدة من خلال استخدام تقنيات حيوية وإعداد خطط استثنائية لمعالجة الأولويات التي تجابهها في اقاليم ومناطق تعد الأكثر تضرراً من انخفاض مناسيب المياه أو تعاني فعلياً وحالياً من تداعيات أزمات الجفاف المتكررة نتيجة للتغيير المناخي الذي وضع في حسبان ستراتيجيات هذه الدول على أنه خطر محدق بنا حالياً، فماذا عن المستقبل الذي من المفترض أن يضاف أيضاً من اجل ربط أزمات المياه بأزمات الغذاء والطاقة التي من الحيوي معالجتها معاً كي يكون الاستعداد والرؤية الستراتيجية اكثر فاعلية واستجابة لاحتياجات سكانية متصاعدة جداً في عالم لا يعدم امكانية أن تسهم أزمات المياه بإمكانية حروب على المياه والطاقة والغذاء.
ولعل نقطة البداية في تشخيص الواقع أن الاستعداد لمواجهة الطوارئ ليس أمراً ترفياً بل هو حاجة حيوية من المفترض أن يعي كل فرد منّا دوره في التوعية بها والارشاد لضرورة ترشيد استخدام المياه والابداع في إيجاد حلول للتنقيب عن الماء في جوف الأرض ومن مصادر المياه المحيطة بنا.