((زنجي أشقر)).. المُضي في إتجاهاتٍ مُتَعدّدة

رقم العدد: 4251 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 9/1/2018 6:24:12 PM

رضا المحمداوي

في الأصبوحة التي شهدتْ حفل توقيع المجموعة الشعرية (زنجي أشقر) للشاعر الشاب: صفاء خلف ، بتأريخ 18/ 11 / 2011 ، قدَّم الشاعر نفسه (مواليد عام 1982 في البصرة الحرام كما يحلو له أن يُسمّي مدينته) على أنه قد فتح عينيه وبواكير وعيه على بيئة الأهوار المائية بعوالمها الغريبة والمدهشة في جنوب ملؤه الحزن والخيبات كما نعرفهُ نحن جميعاً ، فمن أين جاء هذا (الزنجي الاشقر) كعنوان صادم ومُستَفِز ليضعهُ عنواناً لمجموعة القصائد التسعة والعشرين التي ضمَّها الديوان الصادر عن دار الجفال في سوريا ؟
ولم يكن العنوان مُستلاً من قصيدة بالعنوان نفسه ، بل جاء من مقطع منفرد ووقع بعد خاتمة القصيدة الأولى ويتكّون المقطع من جملة طويلة واحدة ص21 [...إن طائراً يشتد زرقة ً نَفَقَ على سارية وطن/ إبان مناورة عسكرية في سوق شعبي / تسكع به ذات مرة زنجي أشقر / إدعّى النبوة ]
في حين إنبثّتْ قصائد( صفاء) البيئية بطابعها المائي في ذلك الهور الجنوبي ، والتأثيث القروي لصورتها من الداخل عبر ثلاث قصائد ، منها قصيدة (زهرة الماء الثائرة )التي يعالجها الشاعر بغنائية يملؤها الحنين وتدفعها الذاكرة الطفولية بما يشبه المناجاة ، حيث تبني القصيدة نفسها ومن خلال المقاطع الثلاثة الاولى منها بالاستذكار المقرون بالتكرار: [جدتي ...تعقدني بإغنيتها النائحة / تشعل روحي .. / ورد بخور لكل صبايا البلاد]
والمقطع الثاني [ جدتي ..طفلة هور/ هور يجرح بغنائه الصخر ..]
والمقطع الثالث [ جدتي وصويحبتها " إغريبه "/ سيدتان من بخور ودمع أغنيات ]
ثمَّة عناية واضحة يبديها صفاء خلف للاستهلال في بعض القصائد أو مفاتيحها الأولى، لكنه سرعان ما يترك تلك العناية لتتسرب القصيدة بعد ذلك من بين أصابعهِ على عجل ، وهو ما نجدهُ في القصيدة الثانية من بيئة الأهوار والحياة القروية والتي أهتمَّ الشاعر بمعالجتها حيث قصيدة ( إنه يحرس الغائبين) التي رُسمتْ بمشهد مسائي عام أقرب ما يكون الى اللقطة العامة في اللغة السينمائية [ في ضيعات الماء الطهور / فلاحون بسمرة فارهة / بجلود مدبوغة ترسم عليها شرايينهم / خرائط لوطن منسي / يتقاطرون في المساءات نحو ممالكهم الطينية]
وفي قصيدة (يدوّرون وجوههم بالماء) يقدُّم صور الخراب تباعاً وهي تعكس ما آلتْ اليه قرى القصب والبردي من أوجاع وحرائق جوع وحولّتها الى خرائب :-
1- كيف لخرائب القصب/ أن تطلق فراشة دون عار ...
2- حين تصطك الخرائب خوفاً / على صبايا قمر مندحر ....
3- ...الفائتون على خرائبهم / مذلون بالدم ..
4-بعد اليبس بعام / الشط، خيط طويل من صغار ينبتون أصابعهم لاصطياد الماء ..
5- خرائب القصب تتناثر كمساقط ذهب/ بين البردي الخائن..
وكاد عنوان قصيدة (مخبول الشط) أن ينفذ الى عالم الهور بغنائيتهِ العذبة، إلاّ أن شخصية (ابو يزيد البسطامي) ظلتْ بعيدة ً عنه، وكان بالامكان عبر (أسطرة ) الواقع أو (الشخصية) أن تنفذ القصيدة الى مفردات البيئة والطبيعة، في حين تفاوتتْ وحدة البناء في المقاطع الثمانية التي تكوَّنتْ منها القصيدة وخاصة ً في المقطعين الاخيرين
قصائد قصيرة
[ أن تكون شاعراً قبل أن تفقه أن تكون كذلك ، جريمة بحق ذاتك قبل ألآخرين ]
وطالما إختار الشاعر أن تكون بعض قصائدهِ قصيرة، فقد عمد الى جعلها أكثر دلالة وإيحاء، وأكثر مقدرة على التصوير والتعبير وهو ما ينطبق تماماً على قصيدة (ذاكرة مستفزة) وكذلك قصيدة ( ولد بري كشظية باسلة) المتكونة من ثلاثين كلمة بضمنها العنوان ، وكان عنوان القصيدة الأخيرة قد جاء في مفتتح قصيدة (نبي عراقي بعاهةٍ منفرة):[ لهذا الولد البري/ صبر شظية باسلة]
ولم أجدْ تفسيراً لهذا التداخل في الجمل الشعرية والعنونة ، أهو توارد خواطر شعرية في مخيلة شاعر ؟ أمْ محاولة لاستخدام الذخيرة اللغوية في أكثر من موضع وأستنفاد صيغها واستعمالاتها ، ولذا يتم تكرار توظيفها ؟
في حين تُجسّدُ قصيدة (مقبرة) نمط القصيدة القصيرة (تتكون من 22 كلمة بضمنها العنوان) بأروع تمثلاتها وصياغتها الدالة ، وخاصةً الحفاظ على نقطة الجذب الواضحة حيث تتجمع في بؤرة معنى واحد رغم أنها تقع في مقطين ، يجيءُ المقطع الاول منها بأسلوب المخاطبة بضمير المُذكّر[ تركتني عاريا ً/ دون آخر/ قلتَ لي/ إن هذا الطريق يؤدي الى مدن حالمة]
ويجيء المقطع الثاني بأسلوب ضمير المتكلم: [ أبي بقامتهِ الفارعة كالنهر/ دسّ/ بذاكرتي / مقبرة / فكبرت ]
في قصيدة( نذر) يبدأ الشاعر بداية قلقة وموحية ( تائهٌ يا وجه أمي )وكان يمكن لهذه العبارة أن تنفتح على مدى وجداني بملامسة عاطفية تؤجج مشاعر الفقدان والخسارة ، إلاّ أنَّ الافعال المضارعة الاربعة ( يتسللُ / يتشممُ / يقتحمُ / يطعنُ ) التي أعقبتْ ذلك الافتتاح جاءتْ بعيدة فأبعدتْ القصيدة عن أجواء الضياع والغربة والحيرة ولم يتم إستحضار شخصية ألام ووجهها ، وبعد هذا الابتعاد مباشرةً تفصحُ القصيدة عن ميلها الجنسي الواضح : [ يدغدغُ الرغبة بإحتضان البياض ] لتنتهي القصيدة [ بضة ٌ ساقك ِ أيتها الغانية/ فأمنحيني ترفك الغجري أكسو بهِ عالمي ].
ولم أجد أية دلالة أو معنى لعنوان (نذر) داخل بنية القصيدة0
قصائد رشيقة
ثمَّة نوع شعري تناثرتْ نماذجه داخل مجموعة (زنجي أشقر) وهو نوع له ميزة الرشاقة والوضوح مثل قصيدة(رجال الحدود) حيث تحوز القصيدة جماليتها من خلال حملها لدلالتها بدءاً من عنوانها وإنتهاءً بخاتمتها ، وبينهما تقع المفارقة البليغة ؛ وجمالية هذه القصيدة لا تكمن في وضوحها وحُسن صياغتها فحسب ، وإنما لانها تمضي سريعة نحو إلتقاطها الذكي عبر تكرار مفردة (آباؤنا) أربع مرات بصيغ تعبيرية متغايرة قبل أن نصل الى الامهات !؟
[ رجال الحدود /آباؤنا الشرعيون .../ آباؤنا / لانعرف أسماءهم / ...آباؤنا لايعرفون أسماءنا ../ ....آباؤنا الشرعيون جدا ًيمنحوننا كل هذا الفراغ لنعلن إمهاتنا ]
وفي قصيدة (مدينة الجند) يأخذنا صفاء خلف الى أفضل قصائد النثر لديه في المجموعة حيث يرسم الصورة المأسأوية لمدينة (الجند) ولا بُدَّ ان الشاعر يقصد مدينة البصرة( البصرة الحرام ) كما يحلو أن يكتبها كمكان لكتابة أشعاره ، وإن لم يسمها بالاسم صراحة في القصيدة ، مثلما يصح الوصف على اية مدينة عراقية أخرى تركتها حروبنا المتكررة مدينة للجند حيث تتداعى صور التهكم الممزوجة بالمرارة: [ يتذكرون لوعة إمهاتهم البريئات / وهن يرششن ماء الاسالة الملوث خلفهم كي يعودوا ] ويمتزج التعاطف بالسخرية : [ توزعهم السواتر على توابيت صُنعتْ من صناديق الشاي السيرلانكي] ، ويقدم الشاعر كذلك صوراً مؤلمة لحياة تضّجُ بالتناقض : [يشعلون سجائرهم الرخيصة كرخص أرواحهم ]

قصائد أخرى
وباستثناء القصيدة الاخيرة السابقة فإن قصائد النثر الطويلة التي كتبها صفاء لم ترقَ الى المستوى الناضج الذي جاءت به (مدينة الجند):
[ فالحضارة النائية والمستحدثة معمار عقل هي بالضرورة نتاج عقل حيوي تماهى مع الرغبة الانسانية العظيمة في السلام فأنتج إستقراراً صنع كل هذه التكنولوجيا التي لم نفقه أسرارها سوى ترهات فاشلين في ان حضارتنا علمت العولميين ] و[ فالذات المنطقية العاقلة ذات الناقد والذات الفوضوية العابثة / ذات الشاعر شيزوفيرنيا مكبوتة، خشية لا مهابة]
مثل هذه التعابير بجملها الطويلة وإلتفافها على المعنى والتي تكاثرتْ في النص الاول من المجموعة ( لا أؤمن إلا بالشياطين التي تسكن أرواحنا ) لا تفصح عن تمكن وقدرة صفاء خلف في كتابة هذه النماذج او تميزه فيها ، حيث إنساق الى سردية وتقريرية واضحة تصل الى حد الشعارات الرنانة، ولم يكن مناسباً أن يكون هذا النص مفتتحاً للمجموعة الشعرية أو بوابة لعالم " صفاء" الشعري "
وفي نص ( أشيخ كالضوء حين يعتلي جسدي الكلام ) ندخلُ الى هذيانات قصيدة النثر التي تدور حول نفسها لكنها تكاد لا تقول شيئاً فتتداخل التعابيرالغريبة وتتكرس فنطازيا اللغة [ في الغرفة البنفسجية يحتسي المكتئب كأساً من شوكولاته الهواء المخفوق]
وفي قصيدة (النهد الصاعد لغابة الافيون بقطار السلطة) إشتجرتْ مفردات عنوانها الطويل مع مفردات المتن لتدل دلالة واضحة على غموض هذا النص وإغترابه عن ذاته حيث تكرّرتْ مفردة(الثورة) أربع مرات في عدة مقاطع وبتراكيب مختلفة ، وتكرّرتْ معها مفردة (النهد) بإشارات جنسية غامضة ، لكن النص ظل معلقاً في الفراغ فقد تكاثرتْ الافعال لكن ليس هنالك فاعل يقود هذه الافعال ويصّبها في سبيكة تعبيرية واضحة المعالم والمقاصد ، وكانت هنالك كثرة كثيرة من القول ولكن ليس هنالك من معنى واضح ومحدد.